كرسي أبي ..
شعاع العتيبي
كان أبي رحمه الله قبل رحيله بعامين، يزورني كثيرًا. كان يهوى أجواء ما بعد المطر، حين يتوشّح الكون بثوبٍ من الصفاء، وتتناثر قطرات الندى على أوراق الشجر كحبات لؤلؤ، وتعبق الأرض برائحة المطر العطرة.
في تلك اللحظات كان يخرج ليتنزه، ثم يأتي إليّ، فيملأ بيتي دفئًا بحديثه العذب، ذاك الحديث الذي لا يُمل ولا يُشبهه حديث.
ولأن رجليه أنهكهما الألم، خصصت له كرسيًا أبيض اللون، ناصعًا كقلبه الطاهر وروحه الصافية، وأسميته “كرسي أبي”.
كنت أمسحه كل يوم وأعتني به، كأنني أعتني بجزء من أبي نفسه.
وذات مساء، جاءني يجرّ خطواتٍ أثقلتها السنين، وبدا على ملامحه تعب لم أعهده فيه.
حين ودعته، توسلت إليه أن يكرر زيارته، قائلةً:
“يا أبي، سعادتنا لا تكتمل إلا بك، وحديثك حياة لقلوبنا.”
ابتسم بحزن، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يكسوه الأسى:
“ربما لن أستطيع زيارتكم مرة أخرى… لقد كبُرت، والمرض بدأ يهاجمني، ورجلاي لم تعد تحملني… أعذريني يا ابنتي.”
كانت كلماته كسكينٍ بردٍ في قلبي، وفعلاً، بعد شهرين ذهبت إليه، فوجدته لا يقوى على المشي، وبعد شهر آخر صار لا يقوم إلا مسنودًا بأيدي إخوتي، حتى استسلم للمقعد، عاجزًا عن الحركة عندها أدركت أن أبي لن يزورني في بيتي بعد اليوم، وأن “كرسي أبي” سيظل وحيدًا ينتظر صاحبه الذي لن يعود.
وبينما كانت الأمطار تهطل قبل وفاته بأشهر، وكان الجو بديعًا كعادته، أخذت أرتب مجلسي، فاقتربت من كرسيه لأمسحه. لامست يدي خشبه كأنني أحتضن ذكرى، فإذا بأرجل الكرسي تنكسر فجأة ويسقط.
شعرت حينها أن الكرسي أعلن رحيله، يودّع صاحبه بصمت، وكأن وفاءه جعله يسبق أبي إلى الرحيل.
ذلك هو “كرسي أبي” .. كرسي لم يكن مجرد مقعد، بل كان شاهدًا على حضوره، ورفيقًا لصمته، وامتدادًا لروحٍ ملأت المكان حبًا وحنانًا، ثم غابت وبقي الأثر.




الله يرحمه ويغفرله
سلمتِ ياشعاع
كاتبتنا المميزة