خدمة الناس والضمير المهني .. قيمة تتجاوز الأدوار الفردية
منور بن خليفة الطويلعي
في عالم سريع الخطى، حيث تتداخل المصالح وتتكاثر المسؤوليات، يبقى الضمير المهني وخدمة الناس على رأس الأولويات التي تحدد هوية الأفراد والمؤسسات على حد سواء. فهي ليست مجرد واجب وظيفي أو إداري، بل هي رسالة أخلاقية وروحية، تتجاوز حدود المنصب لتؤثر في المجتمع وتعزز من قيم العدالة والمساواة. إن قيمة الفرد لا تقاس بما يمتلك من سلطة أو مكانة، بل بما يقدمه من نفع للآخرين، وبما يعكسه من مسؤولية تجاه من حوله.
تتجسد القيم المهنية عندما يقوم كل موظف أو مسؤول بتفقد احتياجات الناس بلا تمييز، ويقدم الخدمة بضمير حي، فإذا حضر الضمير حفظت الأمانة مع فهم عميق لظروف كل مستفيد. قد تكون هذه الظروف خاصة مثل حالة اليتيم أو الأسرة التي تواجه صعوبات اجتماعية أو مادية.
الموظف المخلص لابد أن يترك أثرًا واضحًا وطويل المدى بعد مغادرته مكان عمله، إذ لا يتوقف تأثيره عند لحظة تقديم الخدمة، بل يمتد ليشكل هوية المؤسسة وطريقًا تسير عليه الأجيال القادمة، محاكيًا وجود الموظف حتى بعد مغادرته.
يجب أن يكون الأداء المهني كـ”أسنان المشط”، حيث يسير على الجميع بتساوٍ وتناغم، دون النظر إلى من يقابله أو منصبه أو مكانته أو شخصيته الاعتبارية. هذه المساواة تتجسد في تقديم الخدمة بمستوى واحد للجميع، ما يعزز من معاني العدالة الاجتماعية في كل مؤسسة.
تتعدد صور الخدمة في وقتنا الحالي، وتتسم بالمرونة والتكيف مع احتياجات المستفيدين، حيث تشمل:
قضاء الحوائج: مساعدة الآخرين في تلبية احتياجاتهم اليومية.
إرشاد المستفيدين: تقديم التوجيه اللازم لمساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة.
تفريج الكرب: تقديم الدعم النفسي والمادي لمن يمرون بصعوبات.
تيسير المعاملات: تبسيط الإجراءات والعمليات الإدارية لتكون أكثر فعالية وسهولة.
تفهم الظروف الخاصة: تقديم الدعم الخاص بالفئات الأكثر احتياجًا مثل الأيتام والأسر التي تواجه تحديات اجتماعية أو مادية.
إن الالتزام بالضمير المهني والمعايير الأخلاقية يضمن استدامة ثقة المجتمع بالمؤسسات، ويعيد تعريف الوظيفة العامة على أنها رسالة أخلاقية في المقام الأول، وليست مجرد دور إداري. وعندما تُقدَّم الخدمة بضمير حي، ويُحسن التعامل مع المستفيدين دون تمييز، فإن المعايير تتسم بالعدالة والمساواة، ويكون أثر الأداء محسوسًا على مستوى المجتمع ككل.
المؤسسات التي تلتزم بهذا النوع من الخدمة لا تقدم مجرد خدمات، بل تساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة. إن الاهتمام بالضمير المهني لا يقتصر على تقديم الخدمات في إطار الدور الوظيفي، بل يتسع ليشمل خلق بيئة تحترم حقوق الآخرين، وتقدر كل فرد في المجتمع على حد سواء.
تبقى خدمة الناس والضمير المهني قيمة لا يمكن إغفالها، فهي جوهر المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تكون حاضرًا في كل عمل وفي كل مؤسسة. من خلال هذه القيم، نساهم في بناء مجتمع متكامل ومزدهر، حيث يتجسد مبدأ العدالة والمساواة في كل جانب من جوانب الحياة.



