رحيل ذاكرة تبوك احمد بن عبدالرحمن الخريصي



نورة بنت طالب العنزي :

حين يموت بعض الرجال، لا يُعلن الخبر عن وفاة شخصٍ فحسب، بل عن انطفاء فصلٍ كامل من الذاكرة. وحين يُذكر اسم أحمد عبدالرحمن الخريصي، وكيل إمارة منطقة تبوك لمرحلةٍ طويلة، فإننا لا نستحضر سيرة موظفٍ حكومي، بل نستدعي زمنًا كانت فيه المناصب تُحمل كأمانة، وتُؤدّى كعبادة، وتُمارس بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة رسمية.

رحل الخريصي، فخَفَت صوتٌ كان يعرف متى يتقدّم ومتى يصمت، ومتى يُحسن الإصغاء أكثر من الكلام. كان من أولئك الرجال الذين لا تُقاس قيمتهم بعدد القرارات الموقّعة، بل بعمق الأثر الذي يتركه حضورهم في النفوس، وبالطمأنينة التي يبثّها وجودهم في مفاصل العمل العام. عرفتْه تبوك عقلًا راجحًا، ووجهًا مطمئنًا، واسمًا لا يُستدعى إلا مقرونًا بالثقة.

وكان، رحمه الله، ملازمًا لصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة تبوك، في مسيرةٍ امتدّت لسنوات طويلة، شهدت تلاحم القيادة بالإدارة، والرؤية بالحكمة، والعمل الميداني بالقرار المسؤول. لم تكن تلك الملازمة مجرّد قربٍ إداري، بل كانت مدرسةً في الانضباط، والتعلّم، والإخلاص، نقل خلالها الخريصي روح القائد إلى تفاصيل العمل اليومي، فكان حلقة وصلٍ أمينة بين سمو الأمير والناس، وبين القرار والتنفيذ.

لم تكن سنواته في وكالة الإمارة مجرد أعوامٍ تمضي في سجلات الوظيفة، بل كانت زمنًا من العمل الصبور، والوفاء للمكان، والانحياز الدائم لفكرة الدولة التي تُدار بالحكمة لا بالضجيج، وبالعدل لا بالمجاملة. كان قريبًا من الناس دون أن يُفرّط في هيبة الموقع، حازمًا حين تستدعي المسؤولية الحزم، رحيمًا حين يكون الإنسان أولى من الإجراء، متوازنًا في زمنٍ تميل فيه الكفّات سريعًا.

كان أحمد الخريصي شاهدًا على تحوّلات كثيرة، ومشاركًا في صناعة مراحل مهمة من تاريخ المنطقة، حافظ على استقرارها الإداري، وأسهم في بناء تقاليد عملٍ راسخة، علّمت من جاء بعده أن المنصب لا يخلّد صاحبه، بل ما يخلّده هو صدقه، ونزاهته، ونقاء يده، وصفاء نيّته. ولهذا ظل اسمه حاضرًا في المجالس، محترمًا في الذاكرة، بعيدًا عن كل ما يشين السيرة أو يثقِل الذكرى.

وفي هذا الرحيل، لا تبكيه أسرته وحدها، بل تبكيه تبوك كلها؛ تبكيه الوجوه التي عرفها في الممرات، والملفات التي شهدت توقيعه، والأيام التي مرّت وهو يحمل همّ العمل دون أن يُثقِل به أحدًا. تبكيه لأن الرجال من هذا الطراز لا يتكررون كثيرًا، ولأن فقدهم يترك فراغًا لا تملؤه المناصب ولا تُعوّضه الأسماء.

إننا، إذ ننعاه اليوم، نرفع أكفّ الدعاء له، سائلين الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يُنزل على قبره السكينة والرضوان، وأن يجزيه عن وطنه وأهله خير الجزاء. كما نسأل الله أن يُلهم أسرته الكريمة، وذويه ومحبيه، الصبر والسلوان، وأن يكون عزاؤهم في أثرٍ طيبٍ تركه، وذكرٍ حسنٍ بقي.

رحل أحمد عبدالرحمن الخريصي، وبقيت سيرته تمشي على الأرض، وبقيت تبوك تذكره لا بوصفه منصبًا شغله، بل بوصفه رجلًا لازم القيادة بإخلاص، وخدم المكان بصدق، ثم مضى… كما يمضي الكبار، تاركين خلفهم ذاكرة لا تموت.