“الراية” تلتقي بالكاتبة والمؤلفة غادة الحويطي وتفتح ملف استخدام الدماغ الوعي الذاتي واكتشاف الذات



تنتمي تجربة غادة حمود الحويطي إلى مساحة نادرة تلتقي فيها الكتابة مع التربية، والمعرفة مع التجربة، والفكرة مع التطبيق ، فهي ليست كاتبة تكتب من فراغ، بل معلمة تحمل خلفية أكاديمية في التربية، وحاصلة على درجة الماجستير، ما انعكس بوضوح على طبيعة طرحها، ومسؤولية خطابها.

اختارت غادة أن يكون مشروعها الكتابي مرتبطًا بالوعي الذاتي، واكتشاف الذات، وعلوم الدماغ، ومهارات الحياة، وهي موضوعات لا تُطرح بوصفها ترفًا فكريًا، بل حاجة إنسانية معاصرة.

ومن هذا المنطلق، قدّمت كتبًا ومقالات تسعى إلى مساعدة الإنسان على فهم ذاته، وإدارة أفكاره، وبناء نجاحه بوعي لا بشعارات.

صحفيًا، يُلفت في مسارها قدرتها على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى محتوى قابل للفهم والتطبيق، وهو ما أسهم في وصول كتابيها إلى رفوف مكتبة جرير، إضافة إلى حضورها في أنشطة ومبادرات متعددة تخدم شغفها المعرفي. هذا المزج بين التعليم، والتأليف، والممارسة، منح تجربتها مصداقية مضاعفة، وجعلها أقرب إلى القارئ والمهتم بالتطوير الذاتي.

في هذا اللقاء، نقترب من غادة بوصفها كاتبة ومعلمة ومؤلفة، ونفتح معها ملف الوعي، والذات، والعقل، ومسؤولية الكلمة، لنفهم كيف يتحول الشغف إلى مشروع، والمعرفة إلى أثر.

كونك معلمة وحاصلة على شهادة الماجستير هل أثر ذلك على وعيك الكتابي ومحتوى كتبك؟

كوني معلمة فتخصصي في الماجستير لصيقًا لممارستي المهنية؛ إذ تعمقت في دراسة الجوانب التربوية والإنسانية، ونمو الفرد العقلي والوجداني، والمؤثرات التي تشكل دوافعه واحتياجاته.

حتى رسالة الماجستير طُبِّقت على طالبات المدارس، وتناولت موضوع تنمية العادات العقلية، وخلالها أبحرت في هذا المجال الذي يُعد من أحدث التوجهات التربوية في مجال دعم الدماغ والتعلم للحياة والنجاح. تأثرت بعدد من الشخصيات والمشروعات التربوية العالمية التي أثبتت نجاحها في بناء عادات عقلية تصنع فردًا ناجحًا، واعيًا بذاته، وقادرًا على تحقيقها. ومن هذه التجربة العلمية والعملية خرج كتابي «العادات العقلية للأشخاص الأكثر نجاحًا».

أيضًا في تدريسي لم أؤمن يومًا بالمعلومة المجردة، بقدر إيماني بأثر النشاط والسؤال المحفِّز الذي يثير الشخص ليكتشف المعرفة بنفسه، ويحل مشكلاته في المدرسة وفي الحياة ككل، وعندما التحقت بمرحلة الماجستير، وجدت في النظريات والأبحاث التربوية الأساس العلمي الذي يُستند إليه في فهم وتطبيق الممارسات التي تدعم النمو السليم للدماغ، وتوظيفه بكفاءة أعلى.

قادني ذلك إلى التعمق في علوم الدماغ التربوية، ومنها صدر مؤلفي «كيف يتعلم الدماغ». وفي كلا الكتابين، انطلقت من قناعة راسخة مفادها أن النجاح الحقيقي يتحقق حين نحسن استخدام أدمغتنا ونمارس عادات تخدمنا وتُجوّد حياتنا.

اخترتِ الوعي الذاتي واكتشاف الذات محورًا أساسيًا في مشروعك. متى بدأ هذا الشغف، وهل كان نتيجة تجربة شخصية أم مسار معرفي؟

بدأ تعلمي عن الوعي الذاتي واكتشاف الذات قبل نحو خمسة عشر عامًا، حين تحوّل السؤال عن الفرق بين الإنسان العادي والناجح ومن هو الذكي حقًا؟ إلى شغفٍ عميق بالذات ورسالتها والسمو بها. لم يكن هذا المسار وليد تجربة فقط؛ بل حصيلة مسار معرفي طويل صقلته بالبرامج التطويرية لدى أبرز المؤثرين في المجال، وبدراستي الأكاديمية في مرحلة الماجستير كانت الفرصة للقراءة النهمة للنظريات والأبحاث المفسِّرة للسلوك الإنساني ودوافعه الواعية وغير الواعية. ومع تراكم المعرفة والتجربة، وصلت — بحمد الله — إلى مرحلة الانتقال من التعلّم إلى العطاء، ومن الفهم إلى تقديم هذا العلم للآخرين ليكون أداة وعي ونفع حقيقي في حياتهم.

تهتمين بعلوم الدماغ ومهارات الحياة، وهي موضوعات دقيقة. كيف توازنين بين التبسيط للقارئ والحفاظ على العمق العلمي؟

العلم بضاعة ثمينة، لكن لا قيمة لها إن لم تمتلك وسيلة تصل بها إلى قلوب وعقول الناس. هنا يأتي دور مهارات التواصل؛ في كتبي ومحاضراتي ودوراتي وكتاباتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أحرص على العمق العلمي لكن دون تعقيد، عبر أسلوب “أشرَح ليُفهَم وأُوجِز ليُحفَظ”. أؤمن أن الفكرة مهما كانت عميقة يمكن تبسيطها دون سطحية، وذلك بالقصص والأمثلة والصياغة الواضحة غير المتكلّفة وتمرينات التطبيق . فهدفي أن تصل المعرفة للقارئ حيّة، قابلة للفهم والتطبيق، لا أن تبقى حبيسة المصطلحات.

لكِ كتابان متوفران في مكتبة جرير، كيف تقيمين تجربة الانتقال من الفكرة إلى كتاب منشور، وما التحديات التي واجهتك؟

تجربة الانتقال من الفكرة إلى كتاب منشور كانت بالنسبة لي رحلة هواية وشغف قبل أن تكون مشروعًا مهنيًا. فمنذ طفولتي أحببت الكتابة الحرة، وكان لدي يقين داخلي أنني سأكتب يومًا ما علمًا يُنشر ويصل للناس دون أن أملك آنذاك خطوات واضحة. لكن التحول الحقيقي بدأ مع رسالة الماجستير، حين اخترت موضوعًا حديثًا عالميًا ونادر الطرح عربيًا، وهو العادات العقلية. وفي مناقشة الرسالة، أخبرتني المناقش الخارجي الفاضلة أ.د. خديجة جان من جامعة أم القرى أن العمل يستحق النشر، ودَفعتني للتوسّع فيه وتحويله إلى كتاب تطبيقي، وقدّمت له مشكورة وكانت تلك نقطة الانطلاق الفعلية.

لاحقًا، كتبت في موضوع آخر أمارسه وأدرّب عليه وشاركت به في مؤتمرات علمية، وهو علوم الدماغ التربوية، فأصدرت كتاب «كيف يتعلم الدماغ». عرضت الكتابين على مكتبة جرير، وقُبلا مباشرة، وهو إنجاز أعتز به نظرًا لمعايير جرير في اختيار الكتب. ولا تزال سعادتي مضاعفة حين تصلني صور القرّاء لكتبي على رفوف المكتبات.

أما التحديات، فلم تكن في صعوبة الطريق بقدر ما كانت في الموازنة بين مسؤولياتي الأسرية والمهنية والدراسية والاجتماعية. وتجاوزت ذلك بتوفيق الله، ثم بدعم والديّ وأسرتي، وبالتخطيط الجيد وحماية الوقت من المشتتات؛ فالوقت هو رأس المال الحقيقي، ومن يفرّط فيه يفرّط في مستقبله.

إلى أي مدى ترين أن الكتابة في مجال الوعي الذاتي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مشروعًا ثقافيًا أو تجاريًا؟

لن تصل ولن تنجح إلا حين يكون علمك رسالةً وشغفًا ، كأنه قدَرُك و الدور الذي خُلقت لتؤديه.
هنا تبدأ انعكاسات رسالتك على الجانب الاجتماعي والثقافي وحتى المالي. وهذا لا يتعلق بالوعي الذاتي وحده، بل ينطبق على كل مهنة وهواية؛ من أبسط عمل إلى أعلى منصب. فبدون مصداقية وشغف وأخلاق مهنة يصبح الإنسان مجرد منفّذ بلا روح، كآلة تؤدي عملًا روتينيًا بلا عمق ولا إبداع ولا توسُّع.
أما صاحب الشغف الحقيقي فيُعرَف بحضور روحه قبل كلماته وفعله.

من واقع تجربتك التعليمية، ما أكثر الأخطاء الشائعة التي ترصدينها في فهم الناس لمفهوم النجاح؟

أكبر خطأ في فهم الناس للنجاح هو اختزاله في الذكاء والتفوق الدراسي، فالذكي من يحقق درجات عالية، و الأقل تحصيلًا أقل قدرة، وهذه التصنيفات تحاصر العقل البشري، وتحد إمكاناته، وتشوّه صورة الإنسان عن ذاته. بينما واقع البحث في سلوك الناجحين حول العالم يثبت أنّ لا علاقة بين درجات اختبارات الذكاء والقدرات والتحصيل المعرفي والنجاح في الحياة.
وهذا جوهر كتابي «العادات العقلية للأشخاص الأكثر نجاحًا»، الذي يقدّم دعوة صريحة لاستخدام الذكاء في كافة مجالات الحياة، لا في قاعات المدارس فقط.

هل ترين أن المجتمع اليوم أكثر وعيًا بأهمية فهم الدماغ والعقل، أم أن الطريق لا يزال في بدايته؟

رغم الأهمية الكبيرة لفهم الدماغ والعقل وأثره العميق على الفرد والمجتمع، إلا أن الوعي به في العالم العربي لا يزال في بداياته. فهو مجال حديث نسبيًا ونادر الطرح خارج الأطر الأكاديمية، وغالبًا ما يُنظر إليه كنظريات علمية صعبة التطبيق، بينما هو في جوهره علم حياة يومية. ومن هنا أرى أن نشر الوعي به مسؤولية مجتمعية؛ لأن الإنسان حين يفهم ذاته ويُحسن توظيف دماغه ليكون داعمًا له لا معيقًا، ويمارس عادات يومية للنجاح سيصبح أكثر قدرة على إدارة حياته بوعي واتزان. هذا الوعي لا يغيّر الأفراد فقط، بل ينعكس على المجتمع كله، فيقلل من السلوكات السلبية والمشكلات النفسية والاجتماعية والمالية، ويقود إلى مجتمع أكثر نضجًا واستقرارًا.

بين دورك كمعلمة وكاتبة ومؤلفة، أي هذه الأدوار يعبّر عنك أكثر، أم أنها أدوار متكاملة؟

بالنسبة لي أكثر الأدوار تعبيرًا عني هو “غادة المؤثرة”.
السعادة الحقيقية التي أشعر بها هي حين أكون النور لأحدهم، وحين يخبرني أحدٌ ما أنني قدوته، وأنني أحدثت فارقًا في حياته، هي القاسم المشترك بين كل تلك الأدوار وهي ما يجعلني أشعر بالمعنى الحقيقي لرسالتي.

ما الذي تعملين عليه حاليًا، وما ملامح المرحلة القادمة في مشروعك المعرفي؟

أُؤسس حاليًا لمرحلة جديدة؛ فغادة في المستقبل مدربة عقل ووعي بإذن الله. أركز على نشر ثقافة النجاح بمفهومه الجديد، واستثمار العقل بطريقة فعّالة وسهلة التطبيق. كذلك أعمل على تمكين الآخرين من الوعي بذواتهم، وتنميتها، وتمكينها، وتنقيتها من شوائب تجارب الحياة المؤلمة، واكتشاف الشغف وتحويله إلى مسار مهني ومكسب وثراء بإذن الله. أطمح أن يصل أثر هذا العمل للناس، ويُحدث التغيير والنفع في حياتهم.

أخيرًا.. صحيفة الراية، كل الشكر لكم ، أنتم شركاء نجاح حقيقيون في تطوير المجتمع ككل، ومدينة تبوك بشكل خاص، وجودكم ودعمكم يُسهم في نشر المعرفة والإلهام لكل فرد.

ختاماً تقدّم غادة حمود الطقيقي نموذجًا لتجربة معرفية متكاملة، لا تفصل بين التعليم والكتابة، ولا بين النظرية والتطبيق ،تجربة تؤكد أن الوعي لا يُمنح، بل يُبنى، وأن الكلمة حين تصدر عن معرفة وتجربة، تتحول إلى أداة تغيير حقيقية.

وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم العميق للذات والعقل، تبرز هذه التجربة بوصفها إضافة نوعية للمشهد الثقافي والتربوي، ومسارًا يستحق المتابعة، لما يحمله من مسؤولية، وأثر، ورؤية تتجاوز اللحظة إلى بناء الإنسان.