جنوبيّ اليمن بين حسابات التحالف ومكر الجغرافيا السياسية



عبدالمحسن محمَّد الحارثي

قراءة في المسكوت عنه.. حين تُدار الحكمة بصمت يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: «لا شيء ثابت سوى التغيّر» وهذه المقولة تكاد تكون الوصف الأدق لما جرى ويجري في جنوب اليمن ، فالمشهد هناك لم يكن يوماً ساكناً، بل محكوماً بتحولات إقليمية تتغير بتغير موازين القوة والمصالح.

لقد شكّلت دولة الإمارات، على مدى عقود ؛ نموذجاً للاستقرار السياسي والاقتصادي في بيئة إقليمية مضطربة.

هذا الاستقرار، كما يقول مونتسكيو، «لا تقوم الدول العظيمة على الحظ، بل على حسن التدبير».

وكان التدبير الإماراتي قائماً على رؤية مبكرة، مدعومة بتحالفات محسوبة، دون انزلاق إلى صدامات مباشرة أو مغامرات غير مأمونة.

غير أن التاريخ يعلّمنا أن التحولات الكبرى تُربك حتى أكثر النماذج استقراراً..ومع انطلاق الرؤية السعودية، كمشروع يعيد تعريف الدور الاقتصادي والسياسي للمملكة، ؛ بدت بعض المخاوف وكأنها تتحرك في الظل.

وهنا تستحضر مقولة نيقولا ميكيافيللي: «الخوف من فقدان السلطة أشدّ من الرغبة في توسيعها».

فحين يشعر الحليف بأن موازين النفوذ يعاد ترتيبها تبدأ الحسابات الدقيقة، وقد تنزلق – إن لم تُحسن إدارتها – إلى سياسات ميدانية غير مباشرة.

جنوب اليمن، بحكم هشاشته التاريخية وتعدد ولاءاته ؛ تحوّل إلى مسرح مفتوح لهذا القلق.

ويصدق هنا قول ابن خلدون: «إذا فسد العمران، كثرت شوكة المتغلبين».

فالفراغ يولّد القوة، والسلاح يبحث دائماً عن شرعية، ولو كانت مؤقتة أو مصطنعة.

وقد استثمرت بعض القوى هذه البيئة، وأحاطت عقل القرار بهالة من الاطمئنان الزائف، حتى بدا المشهد وكأن الصلابة حاضرة، بينما البنية في حقيقتها هشة.. وكما قال فريدريك نيتشه: «ما يبدو قوياً من الخارج، قد يكون في الداخل على وشك الانكسار».

ومع كل ذلك بقي ثابت لا يتغير: أمن المملكة العربية السعودية.

هذا الثابت ينسجم مع ما قاله الملك عبدالعزيز -رحمه الله – في واحدة من أكثر عباراته دلالة:

«الدولة لا تقوم إلا على الأمن، ومن فرّط في أمنه فرّط في كل شيء».

ولذلك ظل التحالف العربي رغم التباينات متماسكاً عند خطوطه الجوهرية، مدركاً أن أي لعبة غير مدروسة، مهما بدت ذكية ؛ مصيرها السقوط السريع.

غير أن طبيعة النزاعات المسلحة، كما يقرر علماء السياسة ؛ لا تخلو من ظواهر متكررة..فـهانا آرندت ترى أن: «العنف يخلق واقعاً مؤقتاً، لكنه يعجز عن صناعة شرعية دائمة».

وهذا ما يفسر بروز الكيانات المؤقتة وأمراء الحروب في المراحل الانتقالية، دون أن يعني ذلك قدرتهم على الاستمرار.

في نهاية المطاف يظل الرهان الحقيقي على الشرعية اليمنية والشعب اليمني.

فالتاريخ – كما قال أرنولد توينبي «لا تصنعه الأقليات المسلحة، بل تصنعه الشعوب حين تدرك لحظة الاختيار».

ورغم محاولات التعتيم التي فُرضت بحكمة العاقل لا بجهل الجاهل، يبقى وعي الداخل اليمني هو العامل الحاسم في إفشال سيناريوهات التفكيك.

أما محاولات الطعن من الخاصرة، فينطبق عليها قول ونستون تشرشل: «الخطر الحقيقي لا يأتي من العدو البعيد، بل من الصديق الذي يخطئ التقدير».

فالأنياب المسمومة، بطبيعتها لا تعض إلا الأقرب، وغالباً ما تترك جراحاً أعمق في الجسد الذي خرجت منه.

الخلاصة أن الصمت الذي رافق كثيراً من هذه التحولات لم يكن ضعفاً، بل قراءة عميقة للعواقب.

وكما قال كونفوشيوس: «الحكيم لا يقول كل ما يعرف، لكن الجاهل يقول كل ما يظن».

واليوم ؛ لا بد من وضوح لا يهدد التحالف، وصراحة لا تهدم الشراكات، بل تعيدها إلى مسارها الطبيعي: مصالح مشتركة، وأمن جماعي، ويمن واحد لا يُدار كغنيمة، بل كدولة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ جنوبيّ اليمن بين حسابات التحالف ومكر الجغرافيا السياسية

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات