“فرحان الميهوبي” معرفةٌ تُنقذ ورسالةٌ لا تتوقف



نورة بنت طالب العنزي :

في العُلا، حيث يلتقي التاريخ بالطبيعة، وتُختبر المواقف معدن الرجال، يبرز اسم فرحان البلوي بوصفه نموذجًا مختلفًا للمعلم الذي تجاوز حدود الصف، والمرشد السياحي الذي حمل المعرفة على كتفيه، وقائد العمل التطوعي الذي قدّم الإنسان قبل كل شيء. بين التعليم والإرشاد والإنقاذ، تتشكّل تجربة ثرية عنوانها المسؤولية، ورسالتها العطاء، وأدواتها وعيٌ بالمكان وإخلاصٌ للإنسان.

في هذا اللقاء، نقترب من فرحان البلوي لنسأله عن رحلته، وتجربته، وما وراء العمل التطوعي حين يصبح قرارًا لا تراجع عنه.

كيف تعرّف فرحان البلوي على نفسه اليوم: معلم، مرشد سياحي، أم قائد عمل تطوعي؟ ولماذا؟

أُعرّف نفسي أولًا كمعلم، فهذه المهنة كانت حلمي منذ الصغر، وسعيت لتحقيقها بإصرار وجهد حتى أصبحت واقعًا أعتز به، لما تحمله من رسالة سامية وتأثير مباشر في بناء الإنسان.

ما اللحظة الأولى التي أيقنت فيها أن العُلا ليست مكانًا تعيش فيه فقط، بل رسالة تحملها؟

كانت تلك القناعة حاضرة بقوة بعد صدور الأمر الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – بإنشاء الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، حينها أدركت أن المكان يحمل رسالة وطنية وتاريخية تستحق أن تُصان وتُقدَّم بوعي ومسؤولية.

كيف أسهم عملك كمعلم في تشكيل وعيك بالمسؤولية المجتمعية وخدمة الإنسان؟

من خلال عملي التعليمي، حرصت على توعية طلابي وتوجيههم نحو الطريق الصحيح، والوقوف إلى جانبهم إنسانيًا قبل أن يكون تربويًا، خاصة من فقدوا عائلهم، حيث أؤمن أن المعلم قد يكون أبًا وداعمًا ومُلهمًا قبل أن يكون ناقل معرفة.

ما الذي أضافه الإرشاد السياحي لشخصيتك، وكيف انعكس على فهمك للطبيعة والمخاطر المحيطة بها؟

الإرشاد السياحي أتاح لي التعرف على شرائح مختلفة من الناس، وبناء علاقات إنسانية واسعة، كما منحني فهمًا أعمق للطبيعة والمكان، والتعامل مع المخاطر المحتملة بوعي ومعرفة ميدانية.

حدّثنا عن تأسيس فريق نجوم التطوعي للإنقاذ والبحث… كيف بدأت الفكرة، وما التحديات الأولى؟

انطلقت الفكرة من مدينة تبوك بدافع الشغف بالعمل التطوعي، خاصة في المواقف التي تتكرر أثناء التنزه والرحلات البرية، مثل الأعطال المفاجئة أو التغريز، لا سيما في أوقات الأمطار، مما حفّزني لتأسيس فريق نجوم التطوعي لخدمة المجتمع وقت الحاجة.

في مواقف الإنقاذ، ما القرار الأصعب الذي اضطررت لاتخاذه، وكيف تعاملت معه إنسانيًا؟

من أصعب المواقف حادث انقلاب في منطقة صحراوية نائية خارج نطاق الشبكة، حيث كان المصابون اثنين ولا يوجد أي دعم قريب، وبحمد الله كنت أحمل معي أدوات الإسعافات الأولية، فتوليت إسعافهم ميدانيًا بصفتي المسعف الأول، ثم نقلتهم إلى المستشفى بأسرع وقت ممكن.

كيف توازن بين سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ والحفاظ على سلامة أفراد الفريق؟

الهدوء وعدم التسرع هما الأساس، فالاستجابة السريعة يجب أن تكون محسوبة، مع إعطاء أولوية قصوى لسلامة أفراد الفريق قبل أي إجراء ميداني.

ما أبرز المهارات التي يجب أن يمتلكها المتطوع في فرق الإنقاذ والبحث؟

أن يكون حاصلًا على شهادة إسعافات أولية، وأن تتوفر لديه وسائل مناسبة للتعامل مع التضاريس، مثل مركبات الدفع الرباعي، إلى جانب الجاهزية البدنية والمعرفة الميدانية.

كيف تنظر لدور العمل التطوعي المنظم مقارنة بالمبادرات الفردية؟

العمل التطوعي المنظم أكثر أثرًا واستدامة، لأنه يقوم على التخطيط والتكامل وتوزيع الأدوار، مما يضمن سلامة المتطوعين وجودة الخدمة المقدمة، بينما تبقى المبادرات الفردية محل تقدير، لكنها تحتاج إلى إطار منظم ليُضاعف أثرها ويضمن استمراريتها.

ما الدعم الذي يحتاجه المتطوعون اليوم ليستمر عطاؤهم باحترافية واستدامة؟

يحتاج المتطوعون إلى التشجيع المستمر والتحفيز المعنوي، فالدعم النفسي والتقدير يلعبان دورًا كبيرًا في استمرارية العطاء بروح إيجابية.

كيف ترى مستقبل السياحة في العُلا، وما دور المرشد الواعي في حماية الزائر والمكان معًا؟

مستقبل السياحة في العُلا يتجه من تطور إلى تطور، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030، ودور المرشد الواعي يتمثل في حماية المكان، وتقديم المعلومة الصحيحة للزائر، وربط المواقع بتاريخها، والتعريف بالخدمات المحيطة بها بما يعكس صورة حضارية متكاملة.

ما الرسالة التي تحرص على إيصالها للجيل الجديد حول التطوع وخدمة المجتمع؟

أنتم قوة التغيير وصنّاع المستقبل، فالتطوع ليس مجرد عمل عابر، بل استثمار حقيقي في الذات والمجتمع، يُسهم في بناء الشخصية القيادية، واكتساب المهارات، وصناعة أثر إيجابي يخدم الوطن ويعزز روح الانتماء.

هل هناك موقف إنساني لا يزال حاضرًا في ذاكرتك ويختصر معنى ما تقوم به؟

نعم، هناك مواقف كثيرة، لكن أكثرها تأثيرًا عندما ترى الخوف في عيون شخص عالق أو مصاب، ثم يتحول هذا الخوف إلى طمأنينة بعد المساعدة، تلك اللحظة تختصر معنى التطوع الحقيقي.

ما الذي تتمنى تحقيقه مع فريق نجوم التطوعي خلال السنوات القادمة؟

أتمنى أن يصبح فريق نجوم التطوعي نموذجًا وطنيًا يُحتذى به في العمل التطوعي المنظم، وأن نطوّر قدرات الفريق تدريبياً وميدانياً، ونوسّع نطاق العمل، مع تعزيز الشراكات الرسمية لخدمة المجتمع بشكل أكبر.

لو عاد بك الزمن للبداية، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟ ولماذا؟

نعم، سأختار الطريق نفسه دون تردد، لأنه طريق مليء بالتجارب الإنسانية العميقة، ويمنحك شعورًا حقيقيًا بالقيمة حين تكون سببًا في مساعدة الآخرين وقت الحاجة.

كلمة أخيرة تود إيصالها عبر صحيفة الراية؟

أشكر صحيفة الراية على إتاحة هذه المساحة، وأؤكد أن العمل التطوعي مسؤولية قبل أن يكون مبادرة، ورسالة قبل أن يكون جهدًا، وكل فرد قادر على أن يكون عنصر تغيير متى ما حمل الإخلاص والنية الصادقة لخدمة وطنه ومجتمعه.

ختامًا فرحان البلوي لا يقدّم إجابات فقط، بل يترك أثرًا تجربته تؤكد أن العمل التطوعي ليس فعلًا عابرًا، بل وعيٌ مستمر، وأن التعليم والسياحة والإنقاذ يمكن أن تجتمع في قلب واحد حين تكون البوصلة إنسانية. في العُلا، لا تُقاس المسافة بعدد الكيلومترات، بل بعمق الأثر… وهناك أسماء تُكتب بالفعل قبل القول.