حين تصبح المجاملة فوضى.. لماذا نحتاج تدخل الدولة



عبدالمحسن محمد الحارثي

لم تعد المجاملات الاجتماعية في واقعنا اليوم مجرد أفعال اختيارية تنبع من الذوق وحسن المعشر، بل تحوّل كثيرٌ منها إلى ممارسات قسرية تُفرض على الناس بقوة العُرف وسلطة الحياء، لا بقناعة الرغبة.

وكما يقول المثل الشعبي:
“اللي ما يجامل ؛ يُحاسَب”.

في قروبات الواتساب ؛ تتكرر الشكوى ذاتها:
كثرة رسائل العزاء والتهنئة، رغم التنبيه الواضح بالاكتفاء بالرسائل الخاصة.

لكن ما إن يبادر شخص أو اثنان بالإرسال ؛ حتى تنفتح السلسلة، وتنهال الرسائل تباعًا ؛ لا لأن الجميع يريد الإرسال، بل لأنهم يخشون الوقوع في الحرج.

وهنا يصدق القول:
“الناس تمشي مع السيل”.

فالمجاملة التي يُفترض أن تكون فعلًا نابعًا من القلب، تتحول إلى التزام اجتماعي صامت، لا يُحاسَب عليه الغائب بقدر ما يُكافأ عليه الحاضر، ولو كان حاضرًا على كره.

هذه الفوضى الرقمية لها امتدادها في الواقع.

ففي السنوات الأخيرة، انتشرت عادة استقبال المهنئين بالزواج في استراحات تمتد لأسابيع قبل موعد الزواج، يُقسَّم فيها الناس إلى مجموعات، وتُقدَّم الهدايا، ويُؤدَّى “الواجب”.

لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع، ويتجاهلها الجميع ؛ أن كثيرًا من الناس لا يرغبون في هذه الممارسات.

غير أن المثل يقول:
“اللي يستحي ؛ يعيش متعب”.

فما إن يبدأ شخص واحد بهذا الأسلوب ؛ حتى يُحرج البقية، ويجدون أنفسهم مضطرين للمشاركة ؛ لا حبًا في الحضور، بل خوفًا من أن يُقال:
فلان قصّر.. فلان ما حضر.. فلان ما قدّر.

وهكذا نصل إلى حالة يُجيد الناس وصفها بالمثل الشعبي:
“لا هو عاجبه، ولا هو قادر يتركه”.

المشكلة هنا ليست في التهنئة ولا في العزاء، بل في تضخم العُرف حتى صار أقوى من القناعة.

فالعرف، حين يُترك بلا ضابط، يتحول من وسيلة تنظيم إلى أداة ضغط، ومن عادة إلى عبء.

وكما يقول الحكماء:
“العادة إذا كبرت.. صارت عبادة.”

لقد اتسع الخرق على الراقع، ولم يعد النصح الفردي مجديًا، ولا التذمّر في المجالس كافيًا.

فهذه الممارسات تستنزف:
وقت الناس
وجيوبهم
وطاقتهم النفسية

وتضعهم في موقف لا يُحسدون عليه.

ولهذا يقول المثل:

“الرضا بالقليل.. راحة”.

لكن المجتمع اليوم لا يترك للناس خيار القليل.

من هنا ؛ يصبح تدخل الدولة ضرورة لا مبالغة.

فكما تُنظّم الدولة المرور لأن الفوضى تضر الجميع ؛ فإن تنظيم المناسبات الاجتماعية بات حاجة ملحّة ؛ حمايةً للناس من الإحراج، وحفظًا للمعنى الحقيقي للمجاملة.

فالقانون، كما يُقال:
“وُضع حين فشل العرف”.

التنظيم لا يعني قتل القيم، بل إنقاذها من الابتذال.

ولا يعني التضييق، بل إعادة الأمور إلى نصابها.

فالعزاء لا يُقاس بعدد الرسائل، والتهنئة لا تُقاس بعدد الليالي، والمعروف معروف ولو قلّ!!

وربما آن الأوان أن ندرك أن بعض المجاملات، حين تُترك بلا ضابط، تتحول من خلقٍ جميل إلى عبءٍ ثقيل، وأن السكوت عنها ليس تسامحًا، بل – كما يقول المثل – فـ “الساكت عن الحق ؛ شيطان أخرس”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ حين تصبح المجاملة فوضى.. لماذا نحتاج تدخل الدولة

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات