“الراية ” تلتقي بالكاتبة التي مزجت الفطرة بالفراسة والخيال بالرعب وصنعت عالمًا لا يُنسى
في زمن تتقاطع فيه الحكايات مع الحقائق، ويصبح الخيال أحيانًا أكثر صدقًا من الواقع، تظهر أسماء لا تشبه غيرها… أسماء لا تكتب بالقلم فقط، بل تكتب بالحدس والبصيرة وعمق التجربة. ومن بين هذه الأسماء يبرز حضورٌ آسرٌ لامرأة جمعت بين جرأة الأدب ودهاء التحليل، بين الرعب الذي يلامس أعماق الإنسان، والفراسة التي تكشف ما لا يُقال.
إنها الدكتورة ناديا الشهري… الكاتبة التي استطاعت أن تصنع عالمًا خاصًا بها، عالمًا يصعب تقليده، ويستحيل تجاوزه.
قاربت بين الروح والقصة، بين الحدث والشخصية، بين الواقع والخيال ،فخرجت أعمالها محمّلة بطاقة لا تشبه غيرها، وكأنها تُعيد تعريف علاقة الإنسان بنفسه وبظلاله.
حضورها على منصات القراءة، ودهشة جمهورها من قدرتها على ربط الفانتازيا بالوعي النفسي، جعلا اسمها يتردّد بثقة، ويصنع تأثيرًا لا تخطئه عين.
ولذلك، كان هذا اللقاء معها لقاء نفتح فيه أبواب العقل والقلب، ونمضي إلى الأسئلة التي لا تُسأل عادة.
– ما اللحظة الأولى التي جعلتك تدركين أن الكتابة ليست هواية بالنسبة لك، بل قدَر ومسار حياة؟
عندما مسكت الريشه والقلم وأنا طفلة وقمت أسطر مخيلتي صانعة كتاباً مثل كتب الأطفال المصورة التي كنت أقرؤها، وعندما كنت أتخيل قصص ومغامرات ألعبها مع الأطفال وأشاهد الأفلام وأتمنى أن أكتب أفلاماً تعرض على الشاشة هنا كنت قد حددت هدفاً أساسياً في حياتي لا أستطيع أن أحيد عنه بل لا أستطيع الحياة بدونه.
– رواية «جمنون» صنعت حالة من الجدل والإعجاب… ما الخيط الحقيقي الذي ربط بين الرعب والفلسفة في هذا العمل؟ بل بين الحب والرعب والغرابة وحالة الدهشة التي تَصب في أقوى ملاحم العشق؟
لأن الرواية ذكرت شعور حب وعشق غريب وممنوع ومختلف عن العواطف المعتادة يثير التساؤل لدي البشر من جهة، ومن جهة أخرى الرواية لامست حياة الكثيرين من الناس الواقعين تحت أسر الجن وعاشوا مغامرات وقصص مع هذا العالم الخفي، بل إن الرواية أثارت وحركت الفضول لدى القراءة تجاه ذلك العالم الغيبي، فالنتيجة مشاعر متخبطة تستثار في حالات الرعب والحب على سواء، وأكبر دهشة وتساؤل أهذه قصة حقيقة وواقعية؟! أم أنها فنتازيا وخيال؟ أم هي مزيج من كل هذا؟ .
– عندما تكتبين شخصياتك الروائية… هل تُسقطين جزءًا من نفسك عليها، أم تنفصلين تمامًا عن ذاتك؟
قد أسقط جزءاً مني على بطلة الرواية والبطل لكن باقي الشخصيات أنفصل عنها تماماً وأسقط عليها الشخصيات المتنوعة التي نواجهها في حياتنا مستفيدة من خبرتي في علم الشخصيات.
- أنتِ تمزجين بين الأدب، وتحليل الشخصية، والفراسة… هل تعتبرين هذا الدمج مشروعًا فكريًا، أم هو نتاج شغف متشعب؟
هو نتاج شغف متشعب منذ الطفولة فهكذا هو كياني وشخصيتي، ولعل القارئ يستفيد لفم أنواع الناس من حوله. أو الكُتاب يستفيدوا من علمي في فهم الشخصيات؛ لصنع شخصياتهم بما يتماشى مع منطقيه الشكل الخارجي وتوافقه مع الدينماكية الداخلية للشخصية.ك وهكذا قد يتحول لمشروع فكري.
– كيف تتعاملين مع القرّاء الذين ينظرون للفراسة والفلك بعين الشك، بينما يتابعون تحليلاتك ويجدون فيها تطابقًا مع شخصياتهم؟
أي علم خارج حدود الاستيعاب يُنظر له بعين الشك لكن التجربة والتطبيق تثبت صحة النظريات والعلوم من عدمها لذا؛ لا أستغرب شكوك البعض ولا أجادلهم بل أخبرهم بأن اقرأ وطبق؛ فالتجربة خير برهان، وكم منهم أصبح مؤمناً لأن من يعاند لأجل العناد فقط؛ لا يجد الايمان لقلبه طريقاً وإلا لما وجدنا كافراً بالنعم في هذا الحياة.
– هل سبق أن صادفتِ شخصية واقعية أثارت في داخلك خوفًا أو دهشة دفعتك لكتابتها بوصفها «بطل رعب»؟
نعم صادفت وكتبت .
– بين نجاح «جمنون» وصدور الجزء الثاني… ما الذي تغيّر في داخلك ككاتبة وفي علاقتك مع جمهورك؟
أن الإبحار والإصرار على توصيل الأفكار والمشاعر الحقيقية كما هي حتى وإن كانت مختلفة عن المعتاد تصل لقلوب القراءة؛ لأنها صادرة من قلم صادق، وأن الجمهور هم أكبر محرك لعجلة الكتابة لشدة حبهم وحماسهم وهذا صنع رابط قوي بيني وبين قرائي ومشاعرهم على كل جملة وحرف ونبض داخل سطور الرواية.
– هل تؤمنين أن الكاتب يستطيع أن يغيّر القارئ، أم أن الكاتب هو من يتغير أولًا أثناء الكتابة؟
كلاهما صحيح فالقارئ يتأثر كثيراً؛ لأن الكاتب استطاع أن يجعله يعيش حالة الرواية وكأنها حقيقة ماثلة أمام عينيه، فيتعلق بالشخصيات والأحداث وتصنع داخله عالم خاص يؤثر حتى على طريقة تفكيره، وبالنسبة للكاتب عندما يتوغل في خلق الشخصية ويتعمق في نفسية أبطال روايته قد تتحرك داخله رواسب كانت خفية، أو شغف كان مختبئ، وعندما يُنهي روايته يكون قد صنع في داخله مشاعر متنوعة تضع علامتها على تطور شخصيته هو مع الزمن.
– في أعمالك الروائية يتكرر حضور الجانب النفسي… ما سرّ هذه الجاذبية لديك تجاه «الداخل الإنساني»؟
ما كان الإنسان أبداً قالب دون روح وما الأساس إلا هذه الروح التي دخلت الوعاء الجسدي وبداخلها سمات شتى انعكست على ملامح الشخص، لطالما كنت منذ الطفولة وأنا أدقق النظر في نظرات العينين مرآة الروح واختلاف طبائع الناس وكان هذا يصنع لي دهشة ومتعة لأزال أشعر بها في تنوع الشخصيات وقدرت الخالق على خلق هذا الكم الهائل من المخلوقات وتنوع النفس البشرية وعمقها.
– كيف تصنعين التوازن بين ناديا الشهري الكاتبة، وناديا الشهري المستشارة ؟
كلاهما نفس الشخص لا أرى صعوبة أو سعي لعمل التوازن فأنا الإنسان بدواخله الكثيرة، وأنا الكاتب الذي يترجم هذه الدواخل في كلمات ومشاهد، وأنا التي تكتب للقارئ وتحلل شخصيته وأنا التي تساعده في فهم الحياة.
– ما التحدي الأكبر الذي واجهك كامرأة سعودية في عالم الأدب، وكيف تعاملتِ معه؟
كان التحدي الأكبر بالنسبة لي هو خوض تجربة الكتابة في مجال غير مألوف آنذاك، إذ كنت من أوائل الكاتبات السعوديات اللاتي اتجهن إلى أدب الرعب والفنتازيا ، وهو لون أدبي لم يكن منتشرًا محليًا ولا يحظى بقبول واسع، خصوصًا عندما يأتي من قلم نسائي. في بداياتي لم أجد الترحيب الكافي لطباعة هذا النوع من الأعمال، ما دفعني إلى تأجيل نشر روايتي الأولى، والتوجه إلى إصدار رواية اجتماعية رومانسية بعنوان «أزمة عروس»، والتي حققت نجاحًا.
ثم عدت إلى شغفي الأساسي، وقمت بنشر رواية «موت قبل الميلاد» وعدد من القصص القصيرة في أدب الرعب بجهود ذاتية، وبعدها رواية الرعب (لا أحد يفسد متعتي) التي وفقت وحققت نجاح ونشرت في أدب الطفل والفنتازيا ورواية ( ضحايا الحب) الرومانسية ورغم تفاعل القراء الإيجابي تجاه أدب الرعب، ظلّ تأخير فسح هذا النوع من الأدب حاضرًا لفترة، في وقت كان فيه بعض الزملاء يواصلون النشر بسلاسة. كان ذلك تحديًا مهنيًا وإنسانيًا أكثر منه عائقًا، إذ عزز لدي الإصرار على الاستمرار، والإيمان بأن اختلاف التجربة لا يعني رفضها.
ومع انطلاقة رؤية المملكة 2030، شهد المشهد الثقافي تحولًا لافتًا؛ حيث اتسعت مساحة التنوع، وتغيّرت النظرة إلى كثير من الأجناس الأدبية، وأصبحت أبواب النشر أكثر انفتاحًا، ليجد أدب الرعب والفنتازيا مكانه الطبيعي بين القراء، بل ويتصدر اهتمامات فئة الشباب. اليوم أرى تلك المرحلة محطة تعلّم وصبر، أسهمت في نضج التجربة، ورسخت قناعتي بأن الإبداع الحقيقي يجد طريقه مهما طال الانتظار
– هل تشعرين أن الشهرة الرقمية اليوم تظلم الكاتب الحقيقي أم تمنحه فرصة إضافية للانتشار؟
بل تمنحه فرصة الانتشار والوصول إلى قرائه من كل بقاع الأرض .
– ما النص الذي كتبتِه وبكيتِ عليه قبل أن يقرأه أحد؟
لقاء (جلنار) بوالدها في رواية (زائرة منتصف الليل) والفصلين الأخيرة من رواية (جمنون) الجزء الأول وماحدث لـ(غسان) في رواية ضحايا الحب.
– في تحليلك للأسماء والشخصيات… هل سبق أن واجهتِ حالة «غير قابلة للقراءة»؟ وما تفسيرك لذلك؟
لايوجد حاله غير قابلة للقراءة مع خبير محنك مثلي، حتى أغرب الشخصيات وأشدها غموضاً بالنسبة لي واضحة وإلا ما ألفت كتاباً أخذ مني ١٠ سنوات من البحث والتمحيص وتعدى 800 صفحة، وأخذت بحياة عملائي لطريق الحقيقة وفهم الذات وانصلاح الحال وتلقيت الرضى والنتائج التي غيرت حياتهم للأفضل بفضل الله.
– لو لم تكوني كاتبة… أي طريق آخر كنت ستسلكينه؟
كاتبة أيضاً مع العمل الإخراجي والتمثيل بشكل واسع وبعدة لهجات ولغات، والعمل كمقدمة برامج، وإن كنت حققت شيئاً من ذلك فالكاتب يخرج مشاهد روايته بعين المخرج، أما التمثيل فأنا ممثل صوتي (دبلاج) وهذا جزء من بعض.
– ما الرسالة التي تريدين أن تصل من خلال الجزء الثاني من «جمنون» تحديدًا؟
أن هناك عوالم متعددة خفية عنا، أن الحب لايعرف حداً أو قيود أو منطق، أن هناك قدرات عالية، وعوالم واسعة يجب أن نعرفها ونؤمن بها ولا ندع انغلاق الذهن يسلبنا روعة اكتشاف هذا الكون الواسع.
– هل تؤمنين بأن للرعب وظيفة إنسانية؟ وهل يستطيع أن يشفي الإنسان من أشياء لا يستطيع الكلام عنها؟
الشعور الدائم بالأمان يولد لدى الشخص عدم تقدير للنعمة التي يعيشها ولكنه إذا قرأ أو شاهد أدب الرعب وشعر بالخوف؛ حينها يتذكر كم هو آمن ومطمئن في حياته، الخوف يولد الإدرنالين الذي يحفز كل الحواس وهذا يصنع من الشخص إما متخبط أو عبقري في التعامل مع الظروف حينها سيكتشف نفسه ويراجع حساباته ويدرك كم أن الأمان والحذر هو السلام الذي يغمرنا فكما قال ﷺ:” من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا” رواه البخاري
– عندما تنظرين إلى بداياتك وإلى مؤلفاتك الـ 16 اليوم… ما الشيء الذي تقولين عنه: «لو عاد بي الزمن لا أغيره»؟
لا شئ لكن هناك أفكار كثيرةً كانت سباقة لأوانها تأخرت في كتابتها لهذه اللحظة فخرجت أفكار مشابهة، لو كنت متفرغة أكثر أو بذلت همة أكبر؛ لكانت مؤلفاتي قد تعدت هذا الرقم منذ مدة، ورأت هذه الأفكار الخلابة النور ولكنني سأعمل لأجعلها تراه وبرؤية جديدة إن شاء الله.
– وما الشيء الذي تقولين عنه: «لو عاد بي الزمن لأعدت كتابته بطريقة مختلفة»؟
كل شئ كتبته هو بالحرف المناسب لازيادة فيه ولا نقصان.
– ما جديد ناديا الشهري في المرحلة المقبلة… وهل هناك مشروع روائي مختلف تمامًا عما قدمتيه؟
سيصدر لي إن شاء الله هذا العام 2026 كتاب ثقافي بعنوان (الروابط الخفية لفهم أنماط الشخصية MBTI ) بالتعاون مع الكاتب عثمان الخزمري ، وأعمل الآن على كتابة عمل سينمائي يحكي عن قصة حقيقية في عالم الجن حصلت على حقوق كتابتها بشكل حصري وسيكون فيها الكثير من خيالي ، ومجموعة قصصية منوعة بين أدب الرعب والدراما والرومانسية والكوميديا ، هذا خلال هذا العام بحول الله وقوته أما الروايات التي سأعمل عليها ستكون للعام القادم وغيره من الأعوام بمشيئة الله، ورغم أني كتبت عن أدب الجريمة في رواية ( لا أحد يفسد متعتي) إلا أنها تظل في مجال أدب الرعب لذا الشئ المختلف الذي أرغب في كتابته هو أدب الجريمة بعيداً عن تداخلها مع عالم الرعب والشياطين.
– كلمة أخيرة تختمين فيها هذا اللقاء ؟
لايقف الإنسان عاجزاً أمام أحلامه مهما حاربته الظروف فمن يسعى يصل بعون الله.
سعدت جداً بالحوار والإجابة عن أسئلة ذكية استفزت بداخلي مشاعر كثيرة فشكراً للصحيفة ومحررها الأستاذ إبراهيم العنزي على هذا اللقاء الصحفي المميز.
ختاماً يبقى اللقاء مع د. ناديا الشهري رحلة تستحق الإصغاء؛ فحديثها يفتح نوافذ كثيرة… بعضها يطل على خيالٍ جامح، وبعضها يكشف عن عقلٍ يقرأ الإنسان قبل أن يقرأ النص. وفي نهاية هذا الحوار، يتأكد للقارئ أن الإبداع ليس في كثرة ما نكتب، بل في عمق ما نتركه خلف الكلمات. تبقى د.ناديا الشهري مثالًا لكاتبة تعرف كيف تُمسك بخيوط الحكاية، وكيف تُمسك بخيوط الروح أيضًا… تكتب لتُدهش، وتُدهش لتبقى، وتبقى لأنها صنعت لنفسها مكانًا لا يُشبه أحدًا غيرها. وإذا كان الأدب مرآة الحياة، فإن أعمالها ليست مرآة فقط… بل بابًا يفتح على عالمٍ آخر، عالم فيه الخيال أكثر صدقًا من الواقع، وفيه الكلمة أكثر قدرة على كشف الإنسان من أي مرآة زجاجية.




[email protected]
لقاء ممتع وكاتبه متميزه ماشاءالله ما اجمل روحك ندو وما اطيب قلبك اتمنى لك التوفيق ودوام المجاح
المحامية ربا ابراهيم
شخصية موهوبة راقية نفخر بها كسعوديات عرفن الطريق لاحلامهن …وانتي منهن دكتورة ناديا تبعتي موهبتك وحلمك واراكي ليس فقط في الشرق الاوسط بل ارى اسمك في العالمية كل التوفيق لك
نشكر الصحيفة المتميزة على اللقاء المميز مع الدكتوره ناديا ونتمنى لكم المزيد من التقدم والازدهار