كيف تقرأ السعوديَّة خصومها؟



عبدالمحسن محمَّد الحارثي

حين يُطرح سؤال الخصوم في سياق المملكة العربية السعودية ؛ فإن القراءة السطحية تبحث عن اسم دولة، بينما القراءة الجادّة تبحث عن منهج دولة.

فالسعودية، منذ نشأتها ؛ لم تتعامل مع السياسة بوصفها سجلّ خصومات، بل بوصفها فن تشخيص التهديد قبل أن يتحوّل إلى عدو.

ولهذا تبدو سياستها الخارجية أقرب إلى علم التوازن منها إلى أدبيات الصدام.

في بدايات الدولة السعودية ؛ لم يكن الصدام مع الدولة العثمانية عداءً تقليديًا، بل مواجهة بين مشروع محلي يريد الاستقرار وإمبراطورية ترى في الاستقلال خروجًا على المركز.

هُنا ؛ لم تقرأ السعودية خصمها بوصفه “دولة معادية”، بل بوصفه قوة فقدت قدرتها على استيعاب التحوّل.

وكما قال ابن خلدون: «الدولة إذا بلغت غاية القوة، بدأت في إنتاج أسباب ضعفها»،لم تكن المواجهة سبب السقوط، بل عرَضًا من أعراضه.

ومع قيام الدولة السعودية الحديثة ؛ انتقلت القراءة من الخارج إلى الداخل ؛ فالأولوية لم تكن تصفية الحسابات، بل تحصين الكيان الوليد.

الملك عبدالعزيز ؛ لم يؤسس دولة تبحث عن خصوم، بل دولة تعرف أن الاستقرار هو أول أدوات السيادة.

ولهذا قال كلمته الشهيرة التي تصلح مفتاحًا لفهم السياسة السعودية حتى اليوم:

«نحن لا نطلب من الدنيا إلا أن تتركنا نعيش في أمن على ديننا وأرضنا».
هُنا ؛ تقرأ السعودية العالم من زاوية: من يهدد هذا الأمن يصبح مشكلة، لا عدوًا أزليًا.

في الخمسينيات والستينيات ؛ واجهت المملكة موجة الثورات الأيديولوجية، وعلى رأسها الناصرية.

لم يكن الخلاف مع مصر صراع حدود، بل صراع تصورات للدولة والمجتمع.
وحرب اليمن كانت اختبارًا عمليًا لفكرة تصدير الثورة.

غير أن السعودية قرأت المشهد بهدوء: الأيديولوجيا تُرهق حامليها قبل خصومها..وهو ما لخّصه ريمون آرون بقوله:
«الثورات لا تفشل حين تُهزم عسكريًا، بل حين تُرهق المجتمعات التي تحملها».

أما العراق البعثي ؛ فقد مثّل لحظة كاشفة لمنهج القراءة السعودية.

غزو الكويت لم يحوّل العراق إلى “عدو تاريخي”، بل إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي.

تعاملت المملكة مع الخطر، لا مع الاسم، وحين زال الخطر ؛ زال التصنيف.
فالسعودية لا تخلّد الخصومة ؛ لأنها تدرك أن الدول تُدار بالمصالح لا بالذاكرة الجريحة.

تأتي إيران بعد 1979 باعتبارها الاختبار الأطول.

هُنا ؛ لا تقرأ السعودية دولة فقط، بل مشروع نفوذ عابر للحدود، يوظّف المذهب والسياسة معًا. ومع ذلك ؛ لم تُدار الخصومة بمنطق الحرب الشاملة، بل بمنطق الاحتواء طويل النفس.

وكأن السياسة السعودية تطبّق عمليًا ما قاله هنري كيسنجر:
«الاستقرار لا يعني غياب الصراع، بل القدرة على منعه من الانفجار».

وفي الحاضر ؛ تزداد دقّة القراءة..فالسعودية اليوم لا تواجه دولًا بقدر ما تواجه أنماط تهديد مركّبة: ميليشيات، فوضى، اقتصاد هش، وإعلام يصنع الذعر.

لذلك ؛ لم يكن خفض التصعيد خيار ضعف، بل ترقية في أدوات إدارة الصراع.

وهُنا ؛ تحضر مقولة صن تزو بوصفها منطق دولة لا حكمة قديمة:
«أعظم انتصار هو الذي يتحقق دون قتال».

التهديد الحقيقي في المرحلة الراهنة ؛ ليس حربًا قادمة بقدر ما هو عدم يقين دائم.

والسعودية تقرأ ذلك بوضوح فالتنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة والاستثمار كما قال بول كينيدي «لا يهرب من الخطر فقط، بل من عدم اليقين»ولهذا ؛يُصبح الاستقرار سياسة، لا شعارًا.

الخلاصة ؛ أن السعودية لا تسأل: من عدوي؟
بل تسأل: ما الذي يهدد توازني واستقراري؟

تُخاصم الفوضى حين تتحوّل إلى مشروع، وتُواجه التدخل حين يتخفّى في خطاب، وتُبْقِي باب السياسة مفتوحًا ؛ ما دام يغني عن صوت المدافع.

بهذا الفهم ؛ لا تبدو السعودية دولة بلا خصوم، بل دولة تحسن قراءة خصومها ؛ فتمنعهم من أن يصبحوا أعداءً دائمين، وتمنع نفسها من أن تُستدرج إلى صراعات لا تبني دولة ولا تحفظ إقليمًا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ كيف تقرأ السعوديَّة خصومها؟

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات