“السلبيين في قلعة وادرين” ..
غاده حمود الحويطي
اعتدنا في الآونة الأخيرة سماع عبارات رنّانة مثل : قدّري ذاتك، اهتمي بنفسك، أنت تستحقين، ضعي نفسك قبل الآخرين، أنتي قبل زوجك وأبنائك، برّ والدة زوجك على زوجك وليس عليك، والدك السلبي قلّلي بقاءك معه، تواصلي مع أقربائك متى شئت؛ فلست مضطرة لزيارتهم، اهربي من مجالسة الشكّاءة، صادقي الناجحات والسعيدات والثريّات فانعكاسهم عليك إيجابيًا أما الحزانى والمهمومين فضررهم عليك كبير، قومي بواجباتك فقط وإذا قدمتي أكثر مما يُطلب منك ستعيشي في ضغط ويعاملك الناس بقسوة كما تعاملين نفسك.
وكثير من العبارات التي كان لها أثر سلبي وأدّت إلى وهن علاقاتنا الاجتماعية، متناسين أوامر الإحسان للضعيف، والفقير، وتفريج الكربات، متجاهلين أهمية الكلمة الطيبة التي ما جُعلت صدقة إلا لأنها تحيي أملًا وترفع هممًا.
ولنتساءل:
لماذا شرع الله عبارات معينة للتعزية والمواساة للمفجوع طالما طاقتهم السلبية ستنتقل إلينا؟
أين التعاطف؟ وأين الرحمة؟
وهل اللطف نتعامل به مع من لا يحتاجه من “الإيجابيين”؟ والسلبيين في “قلعة وادرين”؟
من سيهتم بالمكلوم، والضعيف، والتائه في مصيبته لا يعرف كيف يخرج منها؟
من سيخفف ألم الشاكي؟
من يوجه التائه في ضغوط حياته؟
من سيرعى من لا عائل له؟
لنعود لشريعتنا التي جعلت “المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا” وشبهت “المسلمين في توادهم وتراحمهم بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”.
لا أوجّه إلى “استهلاك النفس في البذل للآخرين وإرضائهم الناتج عن إنكار الذات وعدم الشعور بقدرها” بل “العطاء المادي والمعنوي مع القدرة على الاستقلالية النفسية”؛ يعني عطاء بنية العطاء فقط وليس بنية انتظار المديح وكسب الرضا الناتج عن الشعور بالحاجة للآخرين.
في دراسةٍ قارنت بين سعادة من يقدّم عطاءات لنفسه، ومن يقدمها لأسرته وأصدقائه المقربين، ومن يقدمها للمجتمع خارج محيط الأقربين.. توصلت هذه الدراسة إلى أن من يقدّم العطاء للمجتمع أكثر سعادة ممن يقدم العطاء للمقربين، أما من يقدم عطاءً لنفسه فلم يتغيّر إيجابيًا على مؤشر السعادة.
المعطي يصل عطاؤه حد الرد على المتجهّم بابتسامةٍ تعني”أتفهم السوء الذي تتعرض له وسبَّب هذا السلوك، وأعاملك بلطفي”.
وهذا يعني أولًا: التعاطف بمعنى “أشعر بألمك وأقدر ظرفك الذي تعيش”.
وثانيًا: الرحمة بمعنى “أنا أشعر بك وأسعى لتخليصك مما تعانيه حسب قدرتي”.
ولهذا تأثيرات هائلة على المجتمع وتواصله وتراحمه، وعلى النفس تصل لحد التأثير على الدماغ وزيادة كفاءته وفاعليته والحفاظ عليه، بل إلى حد الصحة النفسية العالية والبهجة والسعادة، والتخلص من الاكتئاب وتخليص الآخرين منه وهذا ما أثبتته دراسات محكّمة.. فالمكتئب يركز على همومه ومشاكله والعطاء للآخرين يجعل المكتئب يخرج من دائره همومه إلى دائرة الآخرين وإسعادهم.
لنكن متعاطفين معطائين؛ فالدنيا زوال والآخرة قرار.



