العالَم الذي خاف من كثرة البشر .. بات يخشى اختفاءهم
مازن القحطاني
حين تتحول الديموغرافيا إلى أزمة سياسات:
قراءة في تحديات الحلول السكانية العالمية
كان الخوف يوماً من كثرة البشر ومن مدن تختنق، وموارد لا تكفي، وأطفال ينظر إليهم بوصفهم عبء اقتصادي قبل أن يكونوا قيمة إنسانية بنيت سياسات كاملة على هذا الهلع، وروج لها خطاب تنموي طويل أقنع العالم بأن تقليل عدد المواليد هو الطريق الأقصر إلى الرفاه.
لكن المفارقة أن العالم نفسه يقف اليوم أمام خوف معاكس تمامًا: إختفاء البشر وشيخوخة المجتمعات وانكماش القوة الاقتصادية والاجتماعية من الداخل.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل اختزل فيه الإنسان إلى رقم والإنجاب إلى متغير يجب ضبطه.
لعقود، قُدّمت السياسات السكانية باعتبارها أدوات تقنية محايدة، هدفها كبح الفقر وتسريع التنمية، دون التفات كاف إلى ما تفعله هذه السياسات على المدى البعيد ببنية المجتمع، ومعنى الأسرة، واستدامة رأس المال البشري. واليوم بينما تعاني دول متقدمة من أدنى معدلات ولادة في تاريخها الحديث، يتضح أن المشكلة لم تكن يومًا في عدد البشر وحده، بل في الطريقة التي قرئ بها الانسان داخل معادلات السياسات.
مع مرور الوقت، لم يعد الانجاب قرارا طبيعيا مرتبطا بالاسرة والاستقرار الاجتماعي، بل تحول الى مخاطرة اقتصادية.
ارتفاع تكاليف السكن، عدم استقرار سوق العمل، تآكل شبكات الدعم الاجتماعي، وتضخم متطلبات “الحياة الجيدة”، كلها عوامل دفعت اجيالا كاملة الى تأجيل الانجاب او التخلي عنه.
لم يكن العزوف عن الاطفال نتيجة جهل او رفض للحياة الاسرية، بل انعكاسا لخوف عميق من المستقبل، في عالم يطلب من الفرد ان يكون منتجا ومرنا على الدوام، لكنه لا يوفر له الطمأنينة اللازمة لبناء اسرة.
هنا تبدأ المفارقة الكبرى في الظهور.
الدول التي قادت خطاب تنظيم النسل، وروجت لفكرة ان تقليل عدد السكان شرط للتنمية، باتت اليوم اول من يدفع ثمن هذا المنطق.
شيخوخة سكانية متسارعة، تقلص في عدد السكان في سن العمل، ضغط متزايد على انظمة الرعاية الصحية والمعاشات، وتراجع في القدرة الانتاجية والابتكارية بل ان الامر تجاوز الاقتصاد الى الامن القومي ذاته، مع تقلص القواعد البشرية القادرة على التجنيد العسكري، والعمل في القطاعات الحيوية، والحفاظ على النفوذ الجيوسياسي.
امام هذا الواقع، لجأت الدول الغربية الى ما بدا حل عملي وسريع:
الهجرة
سدت الهجرة فجوات سوق العمل، واخرت الانكماش الاقتصادي في المدى القصير، لكنها لم تعالج جوهر الازمة فالهجرة لا تعيد بناء الثقافة الانجابية، ولا تعالج تآكل مفهوم الاسرة، ولا تصنع تلقائيا اندماجا اجتماعيا سلسا.
ومع تصاعد التوترات السياسية والشعبوية، تحولت الهجرة من حل اقتصادي الى عبء سياسي، ومن اداة انقاذ الى مصدر انقسام، دون ان توقف المسار الديموغرافي الهابط.
في خضم هذا التخبط، برز خطاب جديد يروج للتحول من “عدد السكان” الى “جودة السكان”. لم يعد المهم كم ننجب، بل كيف نستثمر في التعليم، والصحة، والمهارات. ظاهريا، يبدو هذا الخطاب عقلانيا ومتقدما لكن المشكلة انه يفترض امكانية بناء رأس مال بشري عالي الجودة دون قاعدة ديموغرافية كافية.
فالجودة لا تنشأ في الفراغ، والاستثمار في الانسان يحتاج استدامة بشرية، لا مجرد نخبة محدودة العدد.
وحتى اكثر الاقتصادات تقدما، لا يمكنها ان تقوم على مجتمعات صغيرة، هرمية، تعتمد على الالة وحدها لتسيير الحياة.
يطرح احيانا ان التكنولوجيا، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، قادرة على تعويض النقص البشري غير ان هذه الرؤية تتجاهل حقيقة بسيطة: الآلات لا تستهلك، ولا تنجب، ولا تشارك في العقد الاجتماعي يمكنها رفع الانتاجية، لكنها لا تبني مجتمعات، ولا تحافظ على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل فالمجتمع ليس مصنعا فقط، بل شبكة علاقات وقيم واستمرارية بشرية.
ما تكشفه الازمة الديموغرافية العالمية اليوم ليس فشل سياسة بعينها، بل فشل مقاربة كاملة قرأت الانسان بوصفه مشكلة يجب تقليصها، لا اصل يجب الحفاظ عليه.
لم تكن السياسات السكانية خاطئة لانها حاولت معالجة الفقر، بل لانها عالجته بمنطق حسابي بارد، تجاهل تعقيد الانسان وتغيرات القيم وحاجة المجتمعات إلى التوازن بين الكم والكيف والحاضر والمستقبل.
العالم اليوم امام مفترق طرق حقيقي لا عودة ممكنة الى انجاب غير منضبط يتجاهل القدرة الاقتصادية والبيئية، ولا استمرار ممكن في انكار آثار شيخوخة المجتمعات وتآكلها البشري.
السياسات السكانية لم تعد شأن تقني او صحي فقط، بل مسألة حضارية تمس شكل المجتمع، واستدامة الاقتصاد، ومعنى التقدم ذاته.
وبين عالم انفجر سكانيا في الماضي، واخر يشيخ بصمت في الحاضر، ما زالت هناك دول تقف في المنتصف دول لم تصل بعد الى الانهيار الديموغرافي، ولم تعد تعاني من ضغط سكاني خانق .
هذه الدول تمتلك نافذة نادرة لإعادة التفكير في سياساتها السكانية قبل فوات الاوان، بعيداً عن الهلع، وبعيداً عن الوصفات المستوردة.
فالسؤال لم يعد: كم يجب أن نقلل؟ ولا: كيف نعوض النقص؟ بل سؤال أعمق بكثير: كيف نعيد الإنسان إلى قلب السياسات، قبل أن يتحول غيابه إلى أخطر أزمات العصر.



