في مفصل النفوذ!!
عبدالمحسن محمد الحارثي
لا تبدأ التحولات الكبرى في السياسة الدولية عند انفجار الأزمات، بل عند مفصل النفوذ؛ تلك اللحظة الدقيقة التي تتقاطع فيها الحسابات، وتختلط فيها المواقع، ويتراجع فيها التصنيف التقليدي بين صديق وعدو.
هنا ؛ لا تعود السياسة خطابًا مُعلنًا، بل ممارسة صامتة للمصلحة، تُدار خارج الضوء وتُقاس بميزان الكلفة والعائد.
وكما لخّص هنري كيسنجر هذا العالم بقوله: «السياسة الدولية ليست ساحة نوايا، بل ساحة نتائج»، وهو معنى سبق إليه ابن خلدون حين قرر أن «الأحوال لا تدوم على وتيرة واحدة»، وأن تغيّر المصالح ؛ هو محرّك العمران وانكساره.
عند هذا المفصل ؛ لا تُحاك الأحداث في العلن، بل في المساحات الخلفية للقرار.
تظهر الوقائع وكأنها وليدة الصدفة، بينما هي في حقيقتها نتاج ترتيبٍ سابق، أو على الأقل سماحٍ محسوب بالحدوث.
فالدول لا تكشف أوراقها كاملة، ولا تُخفيها كاملة؛ بل تُظهر ما يكفي لإرباك الخصوم وطمأنة الحلفاء وإدارة الرأي العام.
وليس أدق توصيفًا من قول ريمون آرون: «الغموض في العلاقات الدولية ليس خللًا، بل شرطًا من شروط استمرارها»، وهو ما عبّر عنه الفقه السياسي الإسلامي مبكرًا بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال حضر أهله».
ما يربك المتابع ؛ ليس شُحّ المعلومات، بل وفرتها المتناقضة. تصريحات مزدوجة، تحركات بلا اشتباك، أزمات تُفتعل ثم تُجمَّد، ووساطات تظهر فجأة ثم تتلاشى.
غير أن هذا التناقض ليس فوضى، بل أداة.
فالغموض المقصود يمنح صانعه هامش مناورة، ويُبقي كل الاحتمالات مفتوحة.
هنا يتقاطع قول ميكيافيللي: «السياسة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُمكن فعله دون أن يُقال»، مع حكمة عربية قديمة: «من كثر كلامه قلّ هيبته».
في هذا السياق ؛ يبرز اللاعب الخفي؛ ذاك الذي لا يحمل رقمًا ؛ لأنه لا ينتمي لفريق واحد ينتقل بين المسارات، يُخفّف هنا ويُصعّد هناك، لا بحثًا عن حسمٍ نهائي، بل عن استدامة التأثير فالحسم يُنهي اللعبة، أما التوتر المُدار فيُبقي النفوذ متضخمًا.
وقد أصاب بريجنسكي حين قال: «القوة الحقيقية ليست في الانتصار، بل في منع الآخرين من الخروج من اللعبة»، وهو ما يوازيه قول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: «لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن شدّوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها».
الخداع السياسي في مفصل النفوذ ؛ لا يقوم على الكذب الصريح، بل على هندسة الإدراك تُقدَّم الوقائع من زوايا مختارة، ويُضخَّم جانب ويُهمَّش آخر، فتبدو النتائج طبيعية، بينما مسارها الحقيقي محجوب.
أهداف تُسجَّل من مواقع تسلل، يُغضّ الطرف عنها لأن الحكم جزء من المشهد، أو لأن الاعتراض مكلف سياسيًا.
وهنا يستعيد المرء قول جورج أورويل: «أخطر أشكال الخداع هو جعل الكذب يبدو منطقيًا»، وهو المعنى ذاته الذي حذّر منه القرآن الكريم:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي زوايا هذا المشهد ؛ تتحرك أسماء لا تُمسّ، وملفات لا تُغلق ليس عجزًا، بل لأن المساس بها يفتح شبكات أوسع مما يُحتمل كشفه.
هنا تتقاطع شبهة الفساد المالي مع الشراكة السياسية، فلا يعود السؤال: من أخطأ؟
بل: من المستفيد من بقاء الخطأ حيًّا؟
وكما قال مونتسكيو: «حين تتشابك المصالح، تختفي البراءة من القوانين»، وهو ما لخّصه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، في إشارة إلى أن انحراف السلطة يبدأ حين تُخدم المصالح لا القيم.
الخطأ الشائع في قراءة هذه اللحظة هو ؛ البحث عن وضوحٍ أخلاقي صافٍ.
السياسة لا تُدار بهذا الميزان تُدار بمنطق الاحتمال، وبحسابات الربح المؤجَّل ما يبدو تراجعًا قد يكون إعادة تموضع، وما يُقرأ ضعفًا قد يكون استدراجًا، وما يُوصف فوضى قد يكون نظامًا لم يكتمل بعد. ويصدق هنا قول ريمون آرون: «من يطلب اليقين في السياسة، يطلب المستحيل»، وهو ما عبّر عنه الشافعي رحمه الله بقوله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
الخلاصة
في مفصل النفوذ ؛ لا تُقاس الأحداث بما يُقال عنها، بل بما يُسمح لها أن تُحدثه.
ولا يُسأل عمّن أشعل المشهد، بل عمّن أبقى الضوء خافتًا، والكلفة موزّعة، والحقيقة مؤجَّلة.
تلك هي السياسة حين تخلع خطابها، وتستقر في واقعها.
ومن لم يحتمل هذا المستوى من التعقيد ؛ فالأجدر به أن يكتفي بالمشهد لا بتحليله.



