الإعلامي .. اللقب والدور



د. عبدالعزيز مطير العنزي

الإعلامي ليس لقبًا يُعلَّق، ولا صفةً تُستعار، بل مسؤولية ثقيلة تُحمل على الكتف، ورسالة تُؤدّى قبل أن تُنشر.

هو ذلك الإنسان الذي يقف في المنتصف بين الحقيقة والجمهور.

الإعلامي الحقيقي لا يصنعه الظهور، ولا تمنحه الكاميرا، ولا تُزكّيه الأضواء. الإعلامي يُولد من رحم المسؤولية، وينضج بالتجربة، ويتعمّد بالصدق. هو صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب منبر، وحارس وعي قبل أن يكون صانع محتوى، يدرك أن الكلمة قد تُنقذ وقد تُضل، وأن الخطأ في مهنته لا يُغتفر لأنه يمس العقول والضمائر.

عمل الإعلامي شاقّ، مرهق، وممتلئ بالتفاصيل الصغيرة التي لا يراها المتلقي. ساعات طويلة من البحث والتحقق، ضغط الوقت، سطوة الرأي العام، وموازنة دقيقة بين الأمانة واللغة، وبين الجرأة والمسؤولية. الإعلامي يعيش قلق السؤال قبل أن ينطق بالإجابة، ويخوض معركة الوعي في زمن السرعة والسطحية.

غير أن الألم الأكبر لا يأتي من صعوبة المهنة وحدها، بل من ابتذال اللقب. حين أصبح “إعلامي” يُمنح لكل من كتب كلمتين أو امتلك حسابًا أو منصة بلا إضافة حقيقية ، ودون معرفة أو التزام أو أخلاق مهنة.

اختلط الصوت بالصدى، والحضور بالتأثير، وتراجع المعنى أمام الاستعراض. فليس كل من تكلّم إعلاميًا، وليس كل من ظهر مهنيًا، فالإعلام قبل أن يكون صورة هو ضمير. والإعلامي الحقيقي يُعرَف بأثره لا بعدد متابعيه، وبمصداقيته لا بضجيجه، وبثباته حين تتغير الموجات. هو من ينحاز للوعي، لا للشهرة، وللإنسان، لا للعناوين السهلة. وحين تُبتذل الألقاب، يبقى الجوهر وحده شاهدًا، ويبقى الإعلامي الحقيقي واقفًا، متعبًا نعم، لكنه أصيل.

معاناة الإعلامي لا تتوقف عند ضغط العمل وطول الساعات، بل تمتد إلى صراع دائم مع التشويه، ومع موجات التزييف، ومع من يحاولون اختصار المهنة في صورة أو تصريح عابر. الإعلامي الحق يقرأ كثيرًا، ويتحقق أكثر، ويصمت حين يجب الصمت، ويتكلم حين يكون الكلام واجبًا، لا حين يكون مطلوبًا للتصدر.

وفي مقابل هذا الجهد، برزت فئة يُطلق عليهم أو أطلقوا هم على أنفسهم لقب “إعلاميين” و“إعلاميات” بلا استحقاق حقيقي. فئة لم تتعلم أبجديات المهنة، ولم تلتزم بأخلاقياتها، ولم تعِ خطورة الكلمة التي تتداولها. اتخذوا من الإعلام سلّمًا للشهرة، ومن المنصات مسرحًا للذات، ومن الإثارة بديلًا عن المعلومة. يخلطون الرأي بالخبر، ويستبدلون الحقيقة بالانطباع، ويقدّمون الضجيج على المعنى.

هؤلاء لم يسيئوا لأنفسهم فحسب، بل أساؤوا للمهنة ولصورتها في عيون الناس. شوّهوا مفهوم الإعلام، وضيّعوا الفارق بين الإعلامي وصانع المحتوى، وبين المهني والهاوي، حتى بات اللقب مستهلكًا، فاقدًا لهيبته، يُقال بلا وزن ويُمنح بلا معيار.

ختاماً يمكنني القول: إن الإعلامي الحقيقي، يبقى معروفًا حتى دون لقب.

يُعرَف بمصداقيته، وبأثره، وبقدرته على التنوير لا التهييج، وعلى البناء لا الهدم.

لا يحتاج إلى أن يعلن عن نفسه، لأن عمله يفعل ذلك نيابةً عنه.

وحين تختلط الأصوات وتعلو الادعاءات، يبقى الإعلامي الأصيل شامخًا، متعبًا، صامتًا أحيانًا، لكنه ثابت لأن الألقاب تزول، والمهنة تبقى، والرسالة ثابتة.