الدبلوماسية .. فن الانتصار بحُسن التصرّف
عبدالمحسن محمد الحارثي
الدبلوماسية ليست رفاهية لغوية ولا مجرد طريقة لتجميل الواقع السياسي، بل هي جوهر الفعل الناضج حين تتعقّد المصالح وتضيق الخيارات.
هي القوة التي تُدار بحكمة، والوعي الذي يمنع الخطأ من أن يتحوّل إلى كارثة، ويحوّل الانتصار إلى نزاهة تخلّدها الذاكرة.
تحضر الدبلوماسية حيث يتعذّر الصدام ويصبح الصمت مستحيلًا.
في السياسة حين تتشابك المصالح، وفي الإعلام حين تكون الكلمة قادرة على إشعال الرأي العام أو تهدئته، وفي العلاقات الإنسانية حين لا يكون الكلام الصريح مجديًا ولا المجاملة الفارغة كافيًا.
هنا لا تكون الدبلوماسية ضعفًا، بل قوة ذكية في إدارة الموقف وتحقيق المكسب بدون خصومة دائمة.
وكما قال ريمون آرون: «السياسة هي فنّ إدارة الممكن، لا مطاردة المثاليات».
ومن أجمل مظاهرها ؛ الدبلوماسية الصامتة؛ ليس غيابًا عن الموقف، بل حضور متزن بلا ضجيج، وتأجيل الرد حتى ينضج المعنى.
أحيانًا يكون الصمت أقوى من الكلام، وهو اختيار حكيم لا ضعف فيه.
لاوتسه عبر عن ذلك بعبارة مختصرة: «من يعرف ؛ لا يكثر الكلام، ومن يكثر الكلام ؛ لا يعرف».
الدبلوماسية بلا بصيرة ؛ تتحوّل إلى مجاملة جوفاء، والبصيرة بلا دبلوماسية ؛ تصبح صدقًا جارحًا يؤذي أكثر مما ينفع.
وكلاهما وجهان لحكمة واحدة: الرؤية الواضحة والسلوك المدروس.
وهنا يظهر الرابط بين السياسة وحُسن التصرّف: كلما ارتقى القرار السياسي ؛ ارتقى شكل الانتصار. السياسة العشوائية قد تمنح غلبة سريعة، لكنها تزرع خصومات طويلة وتترك آثارًا أخلاقية سلبية.
أما السياسة المدروسة والمصحوبة بالدبلوماسية والبصيرة ؛ فتنتج انتصارًا نزيهًا، لا يقوم على إذلال الآخرين، ولا يفرّغ القوة من معناها الأخلاقي، كما نبّه مكيافيللي: «كسب الناس واحترامهم أدوم من إخضاعهم بالخوف وحده».
القوة بلا دبلوماسية ؛ انتصارها لحظي، وهزيمتها مؤجلة في الذاكرة، أما القوة المصحوبة بحُسن التصرّف ؛ فتنتصر وتُحترم.
والانتصار الحقيقي ليس في إسكات الخصم، بل في الانتصار مع الحفاظ على إنسانيتك، ودون أن تخجل من الطريقة بعد الوصول.
الدبلوماسية-في النهاية- هي أخلاق القوة وحكمة القرار، طريق الانتصار النزيه الذي يبقى في الذاكرة ويستحق الاحترام.



