بين خطوتين ..



نورة بنت طالب العنزي 

ليست الحيادية قيمة في ذاتها، بل صيغة لغوية لموقفٍ غير مكتمل. هي ليست فضيلة أخلاقية كما تُقدَّم، بل حالة تعليق للضمير حين يُطلب منه أن يختار. فالفضائل لا تُقاس بما تجنّبه من صدام، بل بما تتحمّله من كلفة. وكل موقف لا يقبل الكلفة، لا يستحق أن يُسمّى موقفًا.

الحيادية، في جوهرها، ليست وقوفًا خارج الصراع، بل انسحابًا من المسؤولية. هي ادّعاء العلوّ على الموقف، لا سموًّا أخلاقيًا، بل هروبًا محسوبًا من تبعات الانحياز. فالذي يقول: أنا محايد في لحظة احتياج، لا يعلّق حكمه، بل يعلّق إنسانيته.

في العلاقات الإنسانية، ولا سيما الصداقة، تسقط الحيادية سقوطًا أخلاقيًا كاملًا. لأن الصداقة ليست عقدًا اجتماعيًا قابلًا للتعليق، بل رابطة تُختبر حين تتعارض الراحة مع الواجب. الحياد هنا لا يعني العدل، بل يعني ترك الطرف الأضعف وحيدًا باسم الاتزان. وهذا ليس توازنًا، بل تواطؤ صامت.

المنطقة الرمادية التي تدّعيها الحيادية ليست مساحة أمان، بل فراغ قيمي. فيها تُستباح المشاعر دون اعتراف، ويُمارَس الخذلان بلا لغة. لا طعنة تُرى، ولا انسحاب يُعلَن، فقط غيابٌ نظيف، بلا أثر، وبلا مساءلة.

الحيادية في الودّ خيانة بلا أثر دم.
لا تهدم العلاقة، بل تُفرغها من معناها.
لا تُخاصم، بل تسحب نفسها عند أول امتحان.

وذلك أخطر من الخصومة؛ لأن الخصومة تعترف بعدائها، أما الحياد فيتخفّى وراء الأخلاق.

في الصداقة، لا وجود لما يُسمّى مسافة آمنة. القرب التزام، والانحياز أحد شروطه. المنتصف ليس أرضًا مشتركة، بل موقعًا رمزيًا للانسحاب. من يقف هناك لا ينتمي، بل يراقب. والودّ لا يقبل المراقبة؛ إمّا مشاركة كاملة، أو غياب صريح.

وأنا أقرّ بذلك دون مواربة: أنا متطرّفة في الصداقة.

لا لأنني أرفض الاختلاف، بل لأنني أرفض التخفّي خلفه. لا أؤمن بأنصاف المواقف، ولا أثق بالقلوب التي تطلب الامتياز دون الالتزام. الصداقة عندي ليست تفاهمًا دبلوماسيًا، بل عقد شجاعة. إمّا حضور كامل، أو انسحاب معلن بلا أقنعة.

يُمارَس الحياد غالبًا بلغة ناعمة:

نحن نحب الجميع، نحن لا نريد مشاكل، نحن فوق الخلاف.

لكن هذه اللغة ليست دليل نضج، بل دليل خوف من الخسارة. ومن يخشى الخسارة لا يصلح للقرب، لأن القرب بطبيعته مخاطرة.

الحياد قد يكون مقبولًا في إدارة المصالح، لكنه في الصداقة سقوط أخلاقي. فالصديق الحقيقي لا يقول: لا شأن لي، بل يقول: أنا هنا، حتى لو تكسّرت صورته عنك، وحتى لو خذلته الحقيقة. الخصومة الصريحة أقل تزييفًا من صداقة محايدة؛ لأن الخصم يعلن موقعه، أما الحيادي فيُبقيك معلّقًا بين الوهم والخذلان.

ومن يختار الحيادية حين يُستدعى الموقف، فقد اختار طرفًا بالفعل… اختار نفسه.

وهذا اختيار مفهوم، لكنه غير بريء، ولا يحق له أن يتزيّا بثوب الحكمة.

لهذا لا أجادل الحياديين، ولا أفاوضهم. الحياد بيان مكتمل، ومن يفهم منطقه يدرك أن الردّ عليه ليس نقاشًا، بل قرار.

أنا لا أطلب توافقًا، ولا إجماعًا، ولا ولاءً أعمى. أطلب وضوحًا أخلاقيًا لا يختبئ.

فالصداقة لا تُدار من المنتصف، ولا تعيش في المناطق الرمادية، ولا يليق بها إلا الانحياز الصادق، مهما كانت كلفته.

فالمنتصف، مهما بدا متزنًا، لا يسكنه الأصدقاء.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ بين خطوتين ..

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات