ثقافة بالفاتورة



ليست المشكلة في فنجان القهوة، بل في الفكرة التي تُباع معه. حين تتحوّل الثقافة من حقٍّ عام إلى ملحق استهلاكي، وحين يُقدَّم الحوار بوصفه “خدمة إضافية” تُفعَّل بعد الطلب، نكون أمام انزلاق خطير لا يُهدد المشهد الثقافي فحسب، بل يُفرغه من روحه. الثقافة لا تُستدرج بالقائمة، ولا تُقاس بالفاتورة، ولا تُمارَس بشرط القدرة على الدفع. أي محاولة لربط المعرفة بسعر، هي في جوهرها إعادة تعريفٍ مقلقة لمعنى الثقافة ودورها.

لم تكن القهوة في الوعي الجمعي مجرّد مشروبٍ يُستهلك، بل فضاءً مفتوحًا للناس، وملتقىً طبيعيًا للفكرة والرأي والاختلاف. في المقاهي تشكّل الوعي، وتداول الخبر، وهدأت الخلافات أو اشتدّ النقاش، لا لأن المكان فاخر، بل لأنه متاح. ومع تغيّر الزمن، تغيّر الشكل وبقيت الحاجة الإنسانية ذاتها: مساحة تُخفّف العزلة، وتجمع الناس دون شروطٍ مسبقة أو بوابات انتقائية.

غير أن المشهد الثقافي المعاصر ابتُلي أحيانًا بخطابٍ يخلط الثقافة بالتسويق، ويقدّم الفعل الثقافي بلسانٍ ناعم لكنه إقصائي: ادخل… ولكن ادفع. هنا تكمن الخطورة؛ فحين تُختزل الثقافة في “قيمة الطلب”، تتحوّل المعرفة إلى امتياز طبقي، ويُعاد إنتاج الحواجز التي لطالما قيل إن الثقافة جاءت لكسرها. الثقافة التي تُقاس بسعر الفنجان لا تُنمّي وعيًا، بل تُنقّي جمهورها على أساس القدرة الشرائية، لا على أساس الشغف أو الاستحقاق.

المكان الثقافي، أيًا كان شكله، يفقد شرعيته في اللحظة التي يساوم فيها على جوهره. الثقافة ليست نشاطًا موسميًا يُستدعى للتجميل، ولا خدمة إضافية تُسوَّق عند الحاجة. هي إتاحة عادلة، ومسؤولية أخلاقية، ومحتوى يُقاس بقدرته على الوصول، لا بقدرته على الجباية. حين تُربط الدعوة الثقافية ضمنيًا بسعر، يُختزل الحوار في إعلان، ويُستبدل النقاش بالترويج، وتضيع الرسالة بين سطور القائمة.

في المقابل، تثبت التجارب الصادقة أن الثقافة لا تحتاج ضجيجًا لتُقنع، ولا أسماء لامعة لتُحترم. تُبنى على الشغف لا على الاستعراض، وتُدار بالعمل الحقيقي لا بالواجهة. أمسيات وورش وحوارات تُقدَّم بوصفها حقًا عامًا، لا عرضًا مشروطًا، ويُمنح فيها الجمهور فرصة التفاعل الحقيقي، لا الاستهلاك العابر. هذه التجارب لم تراهن على الواجهة، بل على المحتوى، فصنعت أثرًا ثابتًا وحضورًا يتجاوز اللحظة.

المقاهي الحديثة تملك فرصة حقيقية لتصحيح المسار، لا لتكرار الخطأ. رف كتاب، مساحة هادئة، لقاء مفتوح بلا شروط، أو محتوى معرفي بسيط، كفيل بأن يعيد للمكان دوره الطبيعي دون ادّعاء. ليس مطلوبًا تحويل كل مقهى إلى صالون أدبي، لكن المطلوب ألا تُختزل الثقافة في فاتورة، وألا يُختبر الوعي عبر جهاز الدفع.

ختاماً الثقافة التي تحتاج إيصال دفع لتُبرَّر، ليست ثقافة… بل سلعة متنكرة. والمكان الذي يضع السعر قبل الفكرة، يعلن – دون أن يشعر – إفلاسه المعنوي مهما ازدحمت طاولاته. الثقافة موقف أخلاقي قبل أن تكون فعالية، ومسؤولية مجتمعية قبل أن تكون محتوى، وحقٌّ عام لا يُدار بمنطق العرض والطلب. وحين نسمح بتسعير المعرفة، فإننا لا نطوّر المشهد، بل نُفرغه، ولا نرتقي بالذائقة، بل نُعيد إنتاج الإقصاء بصيغة أنيقة. القهوة يمكن أن تُباع، أما الوعي فلا. ومن يخلط بينهما، يخسر الاثنين معًا.