تحويل المقاهي إلى منصات ثقافية: مسؤولية مجتمعية مشتركة



نوف العنزي :

لم تكن القهوة في الوعي السعودي يومًا مجرد مشروبٍ عابر، بل كانت منذ نشأتها الأولى مساحةً للقاء، ووعاءً للذاكرة الاجتماعية، ومنصة غير معلنة لتبادل الأفكار وصناعة الرأي. في المقاهي القديمة، قبل ازدحام المسميات الأجنبية والتصاميم المتكلفة، كان الناس يجلسون لأنهم بحاجة إلى الحديث، إلى الإصغاء، إلى مشاركة الهموم والأفراح. هناك كانت الصحف تُقرأ بصوتٍ مسموع، والأخبار تُتناقل، والنقاشات تُدار بعفوية صنعت وعيًا جمعيًا سبق المنصات الرقمية بزمن طويل.

ولم يقتصر الدور الثقافي لتلك المقاهي على القراءة والنقاش فحسب، بل عرفت أيضًا حضور الحكواتي، ذلك الراوي الشعبي الذي كان يجلس في زاوية المكان، أو يتصدر المجلس في ليالي شهر رمضان تحديدًا، ليسرد على الحضور قصصًا تاريخية، وسيرًا شعبية، وحكايات من الذاكرة العربية والإسلامية. كان الحكواتي يؤدي دورًا ثقافيًا وتربويًا عميقًا، ينقل التاريخ شفهيًا، ويغرس القيم، ويجمع الصغار والكبار حول الحكاية، في مشهد اجتماعي دافئ سبق الشاشات والمنصات، وصنع وجدانًا مشتركًا لا يُنسى.

اليوم، تغيّر المشهد، وتبدّلت الواجهات، لكن الحاجة الإنسانية ذاتها ما زالت قائمة. المقاهي الحديثة أصبحت جزءًا أصيلًا من نمط الحياة اليومية في المدن السعودية، ولم تعد حكرًا على فئة أو عمر، بل تحوّلت إلى ملتقى مفتوح: موظف يبحث عن هدوء بعد يوم طويل، طالب يراجع دروسه، كاتب يدوّن فكرة، أو شاب يريد فقط مساحة يلتقط فيها أنفاسه. هذا التحوّل لا يمكن اختزاله في صورة استهلاكية ضيقة، بل هو امتداد طبيعي لدور اجتماعي قديم، تغيّر شكله وبقي جوهره.

وسط هذا التحوّل، بدأت بعض المقاهي تلتقط الفكرة بوعيٍ ثقافي لافت، فاختارت أن تتجاوز دورها التقليدي، وتعيد للمكان شيئًا من رسالته الأولى. رفوف كتب صغيرة، دواوين شعر، روايات، مجلات فكرية، أو حتى كتب محلية لشعراء وكتّاب من المنطقة. مبادرات بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في أثرها، أثبتت أن المجتمع لا ينفر من الثقافة، بل يقترب منها حين تُقدَّم له دون تعقيد أو وصاية. فالقارئ لا يُصنع بالضرورة في قاعة رسمية، بل قد يولد من فنجان قهوة وكتاب متروك على رف.

وهنا تتجه الدعوة – بكل إيجابية – إلى جميع المقاهي الأدبية، الشركاء الأدبيين، الأندية الثقافية، وحتى الكافيهات التجارية البحتة:
إحياء هذا الدور الثقافي، سواء عبر إتاحة الكتب، أو تخصيص زوايا قراءة، أو حتى إعادة تقديم تجربة الحكواتي بصيغة معاصرة في المواسم الرمضانية، لا يتطلب ميزانيات كبيرة، لكنه يخلق تجربة إنسانية ثرية، ويعيد ربط المجتمع بتاريخه وسرده الشفهي بأسلوب جذاب.

في المقابل، لا تزال بعض الأصوات تنظر إلى ارتياد المقاهي بوصفه سلوكًا سلبيًا أو مظهرًا من مظاهر الفراغ، وهي نظرة لا تعكس الواقع الاجتماعي الحالي. كثير من الناس لا تسمح ظروفهم باستقبال الآخرين في منازلهم، وبعض البيوت لا تهيّأ للقاءات الاجتماعية. هنا، يؤدي المقهى دورًا اجتماعيًا مشروعًا، يوفّر بيئة محترمة وآمنة، يخفف من العزلة، ويسهم في تحسين الحالة النفسية، وهو جانب لا يقل أهمية عن أي بعد آخر في جودة الحياة.

المشكلة ليست في المقهى ذاته، بل في كيفية استثماره. حين يتحول إلى مساحة ضجيج فقط، يفقد روحه، وحين يُفتح على المعرفة، يصبح رافدًا ثقافيًا غير مباشر، يصل إلى شرائح لا تصلها الفعاليات الرسمية ولا المنصات المتخصصة. الأديب حين يجلس في مقهى، لا ينعزل عن الناس، بل يقترب منهم، وحين يرى الشاب كتابًا بجوار فنجان القهوة، أو يستمع إلى حكاية تاريخية تُروى بصوت الحكواتي، قد يبدأ الفضول، والفضول هو أول طريق الوعي.

هذا التحقيق لا يسعى إلى تمجيد الماضي ولا إلى تلميع الحاضر، بل إلى الربط بينهما. من قهوة الحارة القديمة، إلى الحكواتي في ليالي رمضان، إلى كافيهات اليوم، الخيط واحد: الإنسان يبحث عن مكان يجتمع فيه مع الآخرين، ومع فكرته، ومع ذاكرته. وحين تجتمع القهوة بالكتاب والحكاية، لا تنتج ترفًا ثقافيًا، بل تصنع وعيًا ناعمًا، يتسلل بهدوء، ويترك أثره دون ضجيج.

المقاهي ليست مشكلة اجتماعية، بل فرصة ثقافية.
فرصة لأن تكون القهوة بداية حكاية، لا نهايتها، وأن يتحول المكان إلى مساحة حياة وسرد ومعرفة. وحين ندرك ذلك، نفهم أن فنجان القهوة قد يكون، في لحظة رمضانية هادئة، بوابة إلى تاريخٍ حيّ، ووعيٍ أكثر عمقًا واتصالًا بالذات.