خبراء “منتدى مكة للحلال 2026”: صناعة الحلال تعيد تموضعها اقتصاديًّا والريادة العالمية تُبنى بالجودة ورأس المال البشري
أكد خبراء ومختصون دوليون مشاركون في أعمال النسخة الثالثة من منتدى مكة للحلال 2026، الذي تنظمه مبادرة “منافع”، في الغرفة التجارية بمكة المكرمة، أن قطاع الحلال يشهد تحوّلًا اقتصاديًّا نوعيًّا، ينتقل به من مرحلة الامتثال الشرعي بوصفه متطلبًا نظاميًّا، إلى بناء صناعة احترافية متكاملة قادرة على التمركز والمنافسة في الأسواق العالمية.
وأوضح المتحدثون خلال جلسات المنتدى أن التحدي لم يعد مقتصرًا على إثبات مشروعية المنتج، بل بات مرتبطًا بقدرته على تحقيق التميّز التشغيلي، وبناء علامات تجارية موثوقة، وتطوير هويات احترافية قادرة على النفاذ إلى سلاسل الإمداد العالمية، ضمن بيئة تنافسية لا تعترف إلا بالجودة والاستدامة والكفاءة.
وفي جلسة بعنوان “الحلال هوية احترافية عالمية”، دعا الأمين العام للغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية يوسف حسن خلاوي الشركات الوطنية والإسلامية إلى التعامل بواقعية مع تحولات السوق العالمي، مؤكدًا أن المنافسة لم تعد محصورة داخل نطاق الدول الإسلامية، بل اتسعت لتشمل شركات وعلامات عالمية كبرى.
وأشار إلى أن علامات تجارية في أوروبا وأمريكا سارعت إلى تخصيص خطوط إنتاج للمنتجات الحلال، ونجحت في اقتحام قطاعات موسمية ذات عوائد مرتفعة، مثل الهدايا الرمضانية والأزياء، مستفيدةً من امتلاكها سلاسل إمداد متقدمة ومنظومات لوجستية مرنة، وهو ما منحها أفضلية تنافسية واضحة، وفرض على المنتجين في العالم الإسلامي تبنّي نموذج صناعي احترافي متكامل يحافظ على حصصهم السوقية ويعزّزها.
وشدد خلاوي على أهمية تصحيح الصورة الذهنية المرتبطة بقطاع الحلال عبر إستراتيجية اتصالية أكثر نضجًا، مبينًا أن معايير الحلال من حيث سلامة المنتج، ووضوح المصدر، واحترام البيئة تتقاطع بصورة مباشرة مع متطلبات الاستدامة التي باتت معيارًا عالميًا في سلوك المستهلك.
ولفت الانتباه إلى وجود فجوة في جانب التغليف وإبراز الهوية لدى عدد من المنتجات، رغم جودة مكوناتها، مؤكدًا أن التجربة العالمية في المصرفية الإسلامية تُقدّم نموذجًا ناجحًا لتحويل منتج ذي مرجعية شرعية إلى صناعة عالمية منظمة ذات حضور مؤسسي مؤثر.
وفي جلسة “بناء العلامة التجارية الحلال وسيلة للتمركز العالمي”، ناقش المتحدثون مفهوم الثقة بوصفه حجر الزاوية في بناء العلامات التجارية، مؤكدين أن الجودة المقترنة بالقيم الأخلاقية تمثّل العامل الحاسم في جذب المستهلك، لا سيما في قطاع الأزياء المحتشمة الذي يشهد نموًا متسارعًا على مستوى العالم.
وفي محور استدامة العلامات التجارية، تناولت الجلسة آلية إنشاء علامة عالمية تنعكس على تجربة المستخدم في مختلف الأسواق، من خلال فهم الفروق الثقافية بين المجتمعات التي تعد عنصرًا حاسمًا لضمان التوسع الدولي دون فقدان الهوية.
واختتم المتحدثون أعمال الجلسات بتأكيد أن صناعة الحلال لا تزال في طور النضج، وأن مستقبلها مرهون بالاستثمار المنهجي في رأس المال البشري، سواء عبر بناء الكفاءات الإدارية، أو تطوير الخبرات الفنية، أو تعزيز قدرات التسويق والابتكار.
وأشاروا إلى أن الميزة الديموغرافية للعالم الإسلامي، بكونه مجتمعًا شابًا، تمثّل فرصة إستراتيجية كبرى إذا ما جرى توجيهها نحو بناء صناعات تنافسية ذات بُعد قيمي، معتبرين أن التحديات الأخلاقية والبيئية العالمية تعزّز الحاجة إلى نماذج أعمال ترتكز على الشفافية، وحماية الإنسان، واحترام البيئة، وهي مرتكزات أصيلة في فلسفة الحلال.
ويأتي منتدى مكة للحلال 2026 منصةً جامعة للفكر الاقتصادي، والأُطر التنظيمية، والتمكين المؤسسي، والابتكار التقني، بما يعزّز مكانة المملكة لاعبًا رئيسًا في الاقتصاد العالمي لقطاع الحلال، ويجسّد استثمار المكانة الروحية لمكة المكرمة في بناء مركزية اقتصادية ذات بُعد دولي، ويؤكد التزام المملكة بدعم نمو هذا القطاع الحيوي وتطوير أُطره الاحترافية؛ انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.



