حجي علي… أثرٌ لا يتقاعد



إبراهيم العنزي :

في لحظةٍ يختلط فيها الفخر بالامتنان، وتصافح فيها الدموع الابتسامة، نكتب عن رجلٍ لم يكن حضوره عابرًا، ولا أثره مؤقتًا. نكتب عن حجي بن علي  العنزي؛ القائد الذي لم يُعرَف بالمنصب بقدر ما عُرِف بالمواقف، ولم تُقاس مسيرته بعدد السنوات بقدر ما قِيست بما زرعه من قيمٍ في الرجال، وما تركه من أثرٍ صادق في القلوب.

كان معلمًا قبل أن يكون قائدًا، ومربيًا قبل أن يكون مسؤولًا. علّم بالقدوة قبل الكلمة، وربّى بالاحتواء قبل التوجيه، فصار مرجعًا حين تُشتدّ المواقف، وملاذًا حين تضيق الخيارات. عرف الناس فيه صدق النية، ونقاء السريرة، وعدل الميزان؛ فاجتمعت القلوب على محبته، واتفق الجميع على تقديره، لأنه لم ينحَز إلا للحق، ولم يقد إلا بالأخلاق.

في ميادين العمل، كان حازمًا بلا قسوة، وقريبًا بلا تهاون. يرى الإنسان قبل المهمة، ويقدّم الحكمة على العجلة، ويجعل من النظام حارسًا للعدل لا أداة ضغط. وحين يعلو الصوت، كان صوته هادئًا يعيد الأمور إلى نصابها؛ وحين تتعقّد الطرق، كان دليلًا يعرف المسار لأنه سلكه بضميرٍ حي وتجربةٍ صادقة.

ومع التقاعد، لا تنتهي الحكاية؛ بل تبدأ فصولٌ جديدة من الحضور الأعمق. فالأثر الذي يُزرع في النفوس لا يعرف تقويمًا ولا يرتبط بتوقيع قرار. سيبقى اسمه حاضرًا في الدعاء، وسيرته تُروى للأجيال، وقيمه حاضرة في كل من تعلّم منه أو عمل معه أو استنار بتجربته.

اليوم نودّعه من موقعه، لا من قلوبنا. نبارك له تقاعدًا يليق بمسيرةٍ نظيفة، ونسأل الله أن يجزيه عن كل موقفٍ صادق، وكل كلمةٍ مخلصة، وكل يدٍ امتدّت بالعون، خير الجزاء. دمتَ رمزًا للإنسانية، وعنوانًا للمحبة، ورجلًا إذا ذُكر، قيل: هذا هو القائد الذي يُحتفى به لأن أثره يسبق اسمه، وإنسانيته تتقدّم كل الألقاب.