الأهلي .. مدرسة الهوية وبصيرة المستقبل
عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الكؤوس وحدها ما يصنع المجد، بل الهوية التي تبنيها الأندية عبر عقود.
والأهلي -قلعة الكؤوس – لم يكن في خواتيم القرن العشرين مجرد فريقٍ يلاحق الانتصارات، بل فكرة كروية مكتملة الملامح: وسط مسيطر، دفاع صلب يبدأ من العقل قبل القدم، وهجوم يتقن هندسة الفرص.
قال يوهان كرويف: «كرة القدم تُلعب بالعقل أولاً، ثم بالقدمين»،
والأهلي في تلك الحقبة جسّد هذا العقل، مجسّدًا أن السيطرة على المباراة تبدأ من الفكر قبل الكرة.
وسط الملعب: عقل وقيادة
وسط الأهلي ؛ لم يكن مجرد مساحة للحركة، بل مركز اتخاذ القرار من أحمد الصغير – رحمه الله – إلى طارق كيّال ويحيى عامر، مرورًا بخالد مسعد الذي أضاف لمسة فنية مميزة، كان الفريق يعرف متى يهدأ ومتى يضغط.
ولا يمكن الحديث عن الوسط دون الإشارة إلى الظهير الطائر الكابتن محمد عبدالجواد-شافاه الله وعافاه-الذي شكّل نموذج الظهير العصري: سرعة، وذكاء تكتيكي، وقدرة على الانطلاق بالكرة ؛ لتغيير إيقاع المباراة..عبدالجواد كان أكثر من ظهير؛ كان محركًا ديناميكياً يمنح الفريق بعداً تكتيكياً نادراً في ذلك الزمن.
قال أريغو ساكي: «الفريق المتوازن هو الذي يهاجم ويدافع كوحدة واحدة»،
والأهلي جسّد هذا الاتزان في وسطه، ومن ثم في كل خطوطه.
الدفاع: صلابة بلا صخب
في قلب الدفاع ؛ تميز صمدو بهدوئه الواثق، فيما بدأ حسين عبدالغني برسم ملامح ظهوره المميز..حراسة المرمى، بعد جيل أحمد عيد في الثمانينات، حافظت على نهج الثبات وقراءة المباريات بذكاء؛ لتصبح الخلفية قاعدة متينة لكل خطوط الفريق.
كما قال بيليه: «كرة القدم لعبة بسيطة، لكن أصعب ما فيها أن تلعبها ببساطة»،
والأهلي طبق هذا المبدأ: صلابة دفاعية بلا ضجيج، وتوازن كامل بين القدرة على صد الهجمات والتحول إلى الانطلاق.
الهجوم: هندسة الفرص
الهجوم امتد من أمين دابو وإبراهيم مريكي، إلى حسام بن داوود، وصولاً إلى طلال المشعل في نهاية التسعينات، فكانوا يجسدون فلسفة الأهلي: الهجمة ليست اندفاعاً، بل هندسة دقيقة للفرص.
الكرة تتحرك وفق خطة محسوبة، والأهداف تتشكل نتيجة بناء طويل، وكأن كل هجمة تُكتب كجملة بلاغية.
الديربي: امتحان الأعصاب والهوية
كانت مواجهات الأهلي مع الاتحاد في التسعينات أكثر من مباريات؛ اختبار للهوية والقيم الرياضية..الرعشة قبل صافرة البداية ليست خوفاً، بل احتراماً للمنافس.
وكما يقول الفكر الرياضي: «الندّ هو من يمنحك قيمتك»، والأهلي كان يمنح الخصم قيمة المنافسة بأسلوب هادئ لكنه مؤثر.
من الماضي إلى الحاضر: إدارة المنافسة
الأهلي اليوم يقدم موسماً متوازناً في الدوري السعودي 2025‑26. الأداء الراهن يعكس استمرارية فلسفة الفريق: الوسط قلب السيطرة، الدفاع متزن، والهجوم يتحرك في مساحات محسوبة.
المحللون يشيرون إلى أن الأهلي يمتلك ثباتاً تكتيكياً ونضجاً فنياً يؤهله ليكون طرفاً فعالاً في السباق نحو اللقب.
لا يعتمد على موجة انتصارات عابرة، بل على إدارة متدرجة للمباريات واستثمار كل فرصة لتعزيز نقاط القوة.
وهذه القدرة على إدارة المسار تذكّرنا بالماضي: التحضير الذكي، الالتزام بالهوية، والصبر على بناء النصر، عناصر جعلت الأهلي مدرسة حقيقية في التسعينات، وأبقت روحه حاضرة في اللحظة الراهنة.
الأهلي .. مدرسة مستمرة
الأهلي لم يصنع التاريخ مرة واحدة ثم يختفي..هو الذي رفع راياته في وسط الملعب، واستمر في تقديم كرة راقية، حتى أصبح فكرة كروية تُعاش قبل أن تُشاهد.
كما قال نيتشه: «ابنِ بيتك على أرضٍ تهتزّ».
الأهلي بنى مجده على أساس ثابت: هوية واضحة، استراتيجيات متزنة، وهدوء في التعامل مع التحديات.
رحم الله من رحل من نجومه ورجالاته، وأمدّ في أعمار من بقي، وأخص بالذكر الظهير الطائر محمد عبدالجواد شافاه الله وعافاه، الذي ظل مثالاً على الأداء الراقي والالتزام بالهوية، فضلاً عن أخلاقه العالية.
الأهلي إذن ليس مجرد تاريخ يُروى، بل حاضر يُعاش ومستقبل يُبنى، مدرسة متجددة لكل من يحب كرة القدم برؤية، لا بعاطفة عابرة.



