رحلة العلاج ….أطول من الألم



يحظى القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية باهتمامٍ كبير ودعمٍ متواصل، تُرجم إلى مشاريع تطويرية نوعية، وتحول مؤسسي شامل، هدفه رفع جودة الحياة وضمان وصول الرعاية الصحية للمواطن والمقيم بكفاءة وعدالة. وقد كان لـ وزارة الصحة الدور المحوري في قيادة هذا التحول، بالشراكة مع التجمعات الصحية في مختلف مناطق المملكة، من خلال تحسين البنية التحتية، وتوسيع نطاق الخدمات، وتعزيز كفاءة التشغيل.

ومن الجهود البارزة التي تُحسب للمنظومة الصحية، التوسع في تشغيل المراكز الصحية المسائية، وفتح عيادات خارج أوقات الدوام الرسمي، في خطوة إيجابية هدفت إلى تيسير وصول المستفيدين للخدمة، وتخفيف الضغط على المستشفيات وأقسام الطوارئ، ومراعاة ظروف المواطنين العملية والمعيشية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تحسين تجربة عدد كبير من المرضى، وعكست حرص الوزارة والتجمعات الصحية على الاستجابة للاحتياج المجتمعي المتنامي.

ورغم هذه الجهود المقدّرة، إلا أن الواقع اليومي للخدمة الصحية في المراكز والمستشفيات يكشف عن تحديات تشغيلية ما زالت تؤثر على شريحة من المستفيدين، خصوصًا خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو في الحالات التي لا تُصنّف طارئة لكنها لا تحتمل التأجيل. ففي مثل هذه الحالات، يواجه المريض مسارًا طويلًا من الإجراءات يبدأ بفرز أولي، ثم إحالة إلى منشأة أخرى، ثم انتظار موعد قد يمتد لأيام، يعقبه فرز جديد، ثم تحويل لاحق للطبيب المعالج، وهو ما يؤدي إلى تكدس المواعيد، وتأخر العلاج، وإرهاق المريض جسديًا ونفسيًا.

ويزداد أثر هذا الواقع تعقيدًا لدى المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، أو من لديهم حالات صحية تتطلب حذرًا خاصًا في التعامل الدوائي، مثل مرضى تليّف الكبد، وأمراض الكلى، والضغط، والسكري، وغيرهم من الفئات التي لا تستطيع استخدام المسكنات القوية أو بعض العلاجات الشائعة دون إشراف طبي مباشر، لما قد يسببه ذلك من مضاعفات صحية. فهؤلاء المرضى لا يواجهون الألم فحسب، بل يواجهون أيضًا ضيق الخيارات العلاجية، ما يجعل تأخر الوصول للطبيب عبئًا مضاعفًا، وقد يضعهم بين ألم لا يُحتمل وخيارات علاجية محدودة.

كما يتفاقم هذا التحدي لدى ذوي الدخل المحدود، الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج في القطاع الصحي الخاص، فيجدون أنفسهم أسرى للانتظار، رغم ما يعانونه من ألم أو تدهور في حالتهم الصحية. فالصحة ليست خيارًا مؤجلًا، ولا ينبغي أن تتحول رحلة العلاج إلى عبء نفسي أو مالي، خصوصًا حين تكون الحالة قابلة للعلاج المبكر لو توافرت الخدمة في الوقت المناسب.

إن التجربة الإيجابية للمراكز الصحية المسائية تؤكد أن الحلول موجودة وقابلة للتوسع، وأن تعزيز هذه المبادرات، وزيادة عدد العيادات والتخصصات، وضمان استمرارية الخدمة خلال عطلة نهاية الأسبوع، من شأنه أن يخفف الضغط عن المستشفيات، ويختصر مسار العلاج، ويمنح المريض تجربة صحية أكثر إنسانية وسلاسة. كما أن مراجعة آليات الفرز والإحالة، وتقليص التكرار غير الضروري، وتمكين المراكز الصحية من معالجة الحالات البسيطة، يُعد خطوة مكملة لمسار التطوير القائم.

ويأتي هذا الطرح في إطار قراءة صحفية مسؤولة، لا تهدف إلى النقد بقدر ما تسعى إلى نقل صوت المواطن، وإبراز التحديات من زاوية إنسانية، وبروح الشراكة مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الصحة والتجمعات الصحية، وبما يتوافق مع أنظمة العمل الإعلامي المعتمدة لدى وزارة الإعلام.

فما تحقق في المنظومة الصحية يُعد إنجازًا وطنيًا يُبنى عليه، وما تبقى من تحديات يمثل فرصة إضافية لتعزيز الكفاءة وتحسين التجربة. وتبقى الخدمة الصحية الناجحة هي تلك التي تصل للمريض في الوقت المناسب، وبأقصر طريق، وبأقل معاناة، لتؤكد أن الإنسان سيظل محور التنمية وغايتها.