حنين الماضي .. وحقيقة الحاضر



نوف العنزي

شهر رمضان المبارك، الشهر الذي تتبدّل فيه الأشياء من الداخل قبل أن تتغيّر من الخارج. في رمضان، يخفّ ضجيج الحياة قليلًا، وتقترب القلوب من حقيقتها، وتصبح المسافات أقصر بين الأرض والسماء ، لكنه أيضًا شهر يوقظ الفقد اكثر، ويجعل الغائبين أكثر حضورًا في الذاكرة.

في هذا الشهر، أتذكر أبي أكثر ، أتذكره في تفاصيل بسيطة لا يلاحظها أحد سواي؛ في وقت الإفطار، في هدوء ما قبل الأذان، وفي لحظات الدعاء التي لا أجد فيها اسمه إلا حاضرًا على لساني. غياب الأب لا يُقاس بالسنين، بل بالفراغ الذي يتركه في القلب، فراغ لا يملؤه شيء، لكنه يهدأ حين يتحوّل إلى دعاء.

كان أبي ـ رحمه الله ـ المعنى الأول للأمان، والصوت الذي يسبق الخوف فيطمئنه. لم يكن حضوره ضجيجًا، بل سكينة. ولم يكن كلامه كثيرًا، لكن أثره كان عميقًا.

في رمضان، أدرك أن بعض الآباء لا يرحلون حقًا، بل يغيّرون مكانهم فقط؛ يسكنون الدعاء، وتستقر أسماؤهم في القلب كلما رُفعت الأكف.

رمضان يعلّمني أن الفقد ليس اعتراضًا على القدر، بل حالة إنسانية نعيشها بصبر. يعلّمني أن البر لا ينتهي برحيل الأب، بل يبدأ بشكل آخر: في الدعاء له، في الصدقة عنه، في محاولة أن نكون الامتداد الطيب لما كان عليه. وكلما دعوت له، شعرت أن المسافة بيننا تضيق، وأن الرحمة الإلهية أوسع من الغياب.

وفي ليالي رمضان، حين يهدأ العالم، ويخلو القلب من الضجيج، أرفع دعائي لأبي، ولجميع أموات المسلمين. أسأل الله أن يجعل قبورهم نورًا، وأن يعوّضهم عن تعب الدنيا براحة لا تزول، وأن يجعل هذا الشهر شاهد رحمة لهم، لا شاهد فراق.

رمضان لا يطلب منا أن ننسى، بل أن نتذكّر برحمة. لا يطلب أن نخفي الحزن، بل أن نحوّله إلى دعاء صادق. ففي هذا الشهر، نتعلّم أن الدعاء ليس ضعفًا، بل أقوى أشكال الحب التي لا تنقطع بالموت.

ختاماً رمضان يمضي، لكن فقد الأب يبقى، ويخفّ حين يصبح الدعاء عادة، وحين نؤمن أن من نحبهم لم يبتعدوا، بل سبقونا إلى رحمة الله. وفي هذا الشهر الكريم، أبقي أبي حيًا في قلبي، بدعاء لا ينقطع، وأمل بلقاء لا يفقد.

رحم الله أبي، ورحم أمواتنا وأموات المسلمين جميع .