سرطان المال الزائد ..جذوره وأفعاله وأثره المدمر
عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس كل وفرة نعمة، ولا كل زيادة بركة.
بعض الزيادة، حين تفقد بوصلتها ؛ تتحوّل إلى مرض صامت يتسلّل في المجتمع كما السرطان في الجسد، يضمر في النفوس ويستفحل بلا ألم ظاهر، حتى يُكتشف متأخرًا أن ما ظنناه نعمة كان وبالًا.. وكما يقول المأثور: “المال زينة في يد الصالح ووبال في يد الطامع”، فالمفتاح في استخدامه وليس في مقدار وجوده.
المال في أصله طاقة حيادية ؛ لا خير فيه ولا شر.
لكن حين يتجاوز الحاجة ويُترك بلا ضوابط ؛ يتحوّل إلى أداة فوضى، يغذي الطمع، ويخفي الرغبات، ويولد وهم الاستحقاق المطلق.
كما قال أفلاطون: “القوة بلا ضمير مثل السفينة بلا دفة، لا تعرف أين تذهب”.
المال الزائد وأمراء الحرب
حين يسيطر المال الزائد على النفوس الطامعة والمريضة ؛ يتحوّل إلى سلاح يبني أمراء حرب، في الأرض والروح على حد سواء.
يغذي النفوس المريضة ويقوّي الطمع، ويخلق بؤر فساد ومستقعات للتشظي والتشتت، ويُوظف لصالح الفرد لا الجماعة.
يبني حواجز عالية تمنع المقاومة، ويفسد ما هو صالح، ويُعلّل الطامعين، ويولد الأفاعيل.
كما لاحظ توماس فولر: “المال يُفسد النفوس أحيانًا أسرع مما يفسد الزمان”.
المال هنا ليس مجرد وسيلة، بل شبكة معقدة من النفوذ والفوضى.
الناس تصبح أدوات، والمجتمع ساحة صراع للمصالح الفردية، والفساد يتحول إلى طبيعة متكررة، ولو كان الهدف الأصلي السلطة أو النفوذ.
الحكمة العربية تقول: “المال وحده لا يخلق الحكمة، لكنه يكشف النفوس”، فتظهر النوايا في أفعال المال قبل أن تُكشف في الكلام.
من يمرّر المال الزائد؟
غالبًا من يمتلك فائضًا هائلًا من الموارد: شخصيات نافذة، شركات، أو دول.
لكن الهدف غالبًا ليس اقتصاديًا بحتًا، بل نفسي واجتماعي وسياسي:
النفوس الطامعة تبحث عن تعظيم الذات والسلطة.
النفوس المريضة تبحث عن السيطرة على الآخرين.
بعض الجهات ترى فيه وسيلة لبناء شبكات نفوذ خفية.
ماذا يريد المال الزائد؟
أهدافه الأساسية تتراوح بين:
1. السيطرة والهيمنة: تحويل الفائض المالي إلى نفوذ سياسي واجتماعي، والتأثير على القرارات والمجتمعات.
2. تعظيم النفوذ الشخصي: إثبات التفوق، الثراء، القدرة على تغيير الواقع بلا قيود.
3. خلق مستنقعات الفساد والفوضى: الاعتماديات المالية تتحول إلى شبكات فساد، والناس أدوات، والمجتمع ساحة صراع.
4. التخريب أحيانًا بلا هدف مباشر: تسريع انهيار القيم وإضعاف الروابط الاجتماعية.
وكما يقول المأثور: “من يزرع الطمع يحصد الخراب”.
لماذا هذه الأفاعيل؟
المال الزائد يولّد:
فساد ما هو صالح.
تعليل الطمع في النفوس.
حواجز تمنع أي مقاومة.
تشظي وتشتت المجتمع.
والحكمة الشعبية تقول: “لا مال يشتري القلوب، ولا قوة تضمن الولاء المطلق”.
أثر المال الزائد: سرطان متغلغل الجذور
المال الزائد ليس مجرد أداة، بل ورم اجتماعي ونفسي:
يبدأ في النفوس قبل أن يظهر خارجيًا.
يغيّر العلاقات ويشوّه القيم ويحوّل التواضع ضعفًا.
يعطب المبادئ ويجعل الطمع عادة، والفوضى طبيعة.
يصل أثره إلى الفاعل نفسه، فالذي يسيطر على المال غالبًا يُمسّ بروحه قبل أن يمس الآخرين.
كما أقول أنا : “المال عون لمن عرف كيف يستخدمه، ووبال لمن غلبه طمعه” .
هل يستطيع المال السيطرة؟
قد ينجح جزئيًا: شراء الولاءات، تغيير القرارات، والتحكّم في بعض الأطراف.
لكن السيطرة المطلقة صعبة:
النفوس البشرية متغيرة.
المجتمعات تمتلك مقاومة طبيعية.
المال غالبًا يخلق أعداءً جددًا لا يمكن توقعهم.
والمأثور يحذر: “المال يكشف النفوس، لكنه لا يحل محل الضمير”.
الخلاصة والتحصين
المال الزائد لا يقتل الجيوب فقط، بل يُفقر النفوس ويشوّه القيم، ويصنع أمراء حرب بلا رادع.
الوقاية ليست في تقليص المال نفسه، بل في تهذيبه وربطه بالمسؤولية والقيم:
أن يكون العطاء أداة للخير لا الاستعراض.
أن تُبنى القوة على القيم لا الاستغلال.
أن يكون النفوذ وسيلة للبناء لا للتدمير.
كما أقول أنا : “المال الزائد يُعلّم النفوس الطامعة كيف تتحكّم بالعالم بلا حق… وهو يزرع الفساد أينما ذهب” .
فالمال حين يُحسن صاحبه توجيهه ؛ يصبح جسراً بين القلوب، وحين يُساء استخدامه ؛ يتحوّل إلى ورم يمتد في جسد القيم، يطال المجتمع والفاعل نفسه.
الحذر واجب: المال الزائد لا يقتل الجيوب فحسب، بل يُفسد النفوس ويشوّه كل ما هو صالح.



