الحياء فطرة .. والكرامة مسؤولية



ايمان المغربي

الحياء ليس خلقاً يُطلب من المرأة وحدها ولا هو صفة ثانوية يمكن الاستغناء عنها متى شئنا بل هو فطرة انسانية مشتركة وميزان داخلي يضبط السلوك قبل ان يضبط المظهر كما يُطلب من المرأة الحياء يُطلب من الرجل كذلك .

فالحياء شعبة من شعب الايمان وهو خلق الكرام وسمة المروءة وعلامة الرقي الداخلي حين نفهم الحياء على انه ضعف نكون قد اسأنا فهمه فالحياء قوة تضبط لا قيد يضعف وهو رقابة ذاتية لا تحتاج الى اعين الناس وهو احترام للنفس قبل ان يكون استجابة لتوقعات المجتمع.

والحياء لا ينبع من خوف بل من وعي الانسان بقيمته فكلما ازداد ادراكه لذاته قل احتياجه الى اثبات حضوره بما ينتقص من كرامته فالانسان حين يعرف من هو لا يسعى الى الاعتراف عبر التنازل بل عبر الثبات لان من وعى قدر نفسه لم يسمح لها ان تتحول الى وسيلة لاثارة عابرة او قبول مؤقت.

وفي قصة ادم وحواء عليهما السلام دلالة عميقة فحين خالفا الامر الالهي قال تعالى: (فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)  فكان اول اثر للزلل انكشاف الستر وكأن في القصة اشارة الى ان الستر نعمة وان فقده بداية اختلال داخلي قبل ان يكون انكشافاً ظاهرياً فالتعري ليس مجرد كشف جسد بل قد يكون في بعض صوره انكشافاً للمعنى واضطراباً في ميزان القيم وحين تضطرب الحدود يختل الشعور بالكرامة.

وقفة تأمل هل نسعى الى المعنى ام الى الانتباه وهل نبحث عن القيمة ام عن الظهور قد تتبدل الارقام لكن الاثر وحده يكشف حقيقة الحضور ومهما اتسع الانتشار يبقى السؤال ماذا يبقى في الذاكرة حين يزول الانبهار فالنجاح الحقيقي ما يضيف الى الانسان لا ما يستنزفه.

ومن اروع مشاهد الحياء ما روته ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقد كانت تدخل حجرتها حيث دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابوها ابو بكر رضي الله عنه دون حرج فلما دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شدت عليها ثيابها حياء منه حياء لم تفرضه اعين الناس بل فرضه حضور القلب وذلك هو الحياء وعي داخلي لا يرتبط برقابة خارجية ولا يتغير بتغير الجمهور.

والاخطر من تعري الاجساد تعري الاخلاق فحين تتراجع الحدود الاخلاقية يضعف الشعور بالمهابة وتختلط الرسائل ويضيع مفهوم القدوة وتبلغ الخطورة ذروتها حين يتحول الابناء الى مادة للعرض فالطفل الذي ينشأ بلا مساحة خاصة قد يفقد تدريجيًا احساسه الطبيعي بالستر لانه تربى في بيئة جعلت كل شيء قابلاً للاظهار.

التربية ليست توجيهات عابرة بل نموذج حي يُرى فالابناء يتشكل وعيهم مما نشهده امامهم اكثر مما نلقنه لهم فان اردنا جيلاً يحفظ كرامته فعلينا ان نغرس فيه الحياء بوصفه وعياً يحمي لا قيداً يقيد وصيانة للروح قبل ان يكون تنظيماً للسلوك.

الحياء لا يتعارض مع الثقة ولا يتناقض مع الحضور ولا ينتقص من الجمال بل يمنح كل ذلك اتزانه فهو يضع لكل شيء حدوده التي تحفظ المعنى فليس كل ما يظهر تقدماً ولا كل ما يلفت الانتباه قيمة وبعض الحضور المرتفع يخفي وراءه فراغاً لا يعالجه تصفيق.

والحرية لا تعني غياب الحدود بل تعني الوعي بها فكل انسان يملك حق الاختيار لكن قيمة الاختيار تتجلى حين يكون نابعا من فهم لا من اندفاع ومن قناعة لا من تقليد فقد يظن الانسان انه يتحرر حين يتجاوز حدوده بينما هو ينتقل من قيد ظاهر الى قيد خفي اسمه الارتهان لنظرة الاخرين.

في زمن تتقدم فيه الصورة على المعنى نحتاج ان نستعيد وعينا بان الكرامة لا تقاس بما نظهر بل بما نصون ولا يقاس الحضور بقدر ما نكشف بل بقدر ما نحفظ فالحياء ليس انغلاقاً بل اتزان داخلي يختار حدوده وليس كل ما يخفى ضعفاً كما ان ليس كل ما يبدو تحرراً نضجاً فالانسان قد يظهر متفلتا من القيود وهو في داخله مثقل بالحاجة الى القبول.

ثمة جمال لا يرى لكنه يحترم وثمة حضور لا يلفت الانتباه لكنه يرسخ فالحياء فطرة وحين نصون فطرتنا نصون انسانيتنا فلنرب ابناءنا على ان القيمة في الجوهر وان الكرامة لا تقبل المساومة وان ما يبقى من الانسان ليس صورته بل اثره.

بهذا الوعي تبنى البيوت وبه تستقيم المجتمعات وبه نحفظ انفسنا قبل ان ننشغل بالحكم على غيرنا فالانسان لا يذكره الناس بما كشف بل بما حفظ ولا يبقى منه شكله بل معناه.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ الحياء فطرة .. والكرامة مسؤولية

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات