حين ينسى الإنسان أنه ابن العقل والضمير !!



عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي

حين ينسى الإنسان أنه ابنُ العقل والضمير ؛ تصبح الأرض واسعةً كالغابة، لكن صدره يضيق بالآخر كما يضيق المفترس بفريسته قبل الانقضاض.

هناك ، في تلك اللحظة المظلمة ؛ لا يعود الإنسان كما أراد له خالقه: كائناً يسمو بالوعي ويتجمّل بالأخلاق، بل يتحول إلى ظلٍّ معتم يجرّ خلفه ما استطاع من خوفٍ وتسلّط وشهوة غلبة، وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل مرة يفقد فيها البشر صمت الحكمة وصوت العدالة.

وليس من المفارقات أن الغاب الحقيقي – بكل ما فيه من افتراس – أقلُّ قسوةً من غاب الإنسان. فالحيوان لا يعاقب بلا سبب، ولا يخدع ولا ينافق، ولا يبتسم ليخفي أنيابه.

أما الإنسان حين تُسلب منه إنسانيته، أو حين يسلّمها طوعاً ؛ فإنه قد يمارس ظلماً لا يعرفه أيُّ مخلوقٍ آخر. ولذا قال أحد الحكماء: “الحيوان يفترس ليعيش.. والإنسان قد يفترس ليطغى”.

وقد عبّر هوبز بجفافه الفلسفي حين قال إن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، لكنه لم يكن يُدين الذئب، بل يحذّر الإنسان من نفسه عندما يترك أبواب الضمير موصدة ويتخلى عن عقده الاجتماعي.

وفي المقابل ؛ كان روسو يرى أن الإنسان يولد طيباً، وأن المجتمع هو الذي يُفسده؛ كأن الرجلين يتجادلان في لحظة واحدة، أحدهما ينظر إلى ما يمكن للإنسان أن يكوّنه، والآخر ينظر إلى ما قد يتحول إليه حين ينسى جوهره.

وعلى قسوة القولين، إلا أن بينهما حقيقة واحدة: الإنسان ليس شراً خالصاً ولا خيراً خالصاً؛ إنه مرآة لما يختار..فإذا اختار العقل والضمير ؛ صار نوراً..وإذا اختار القوة والهيمنة ؛ صار غاباً لا ظلال فيه.

وليس من الغريب أن تشتدّ هذه المظاهر في السياسة، فهي المرآة الأكبر لطبيعة الإنسان حين يتولى السلطة..فإذا غاب القانون، أو تم تحويله إلى أداة بيد الأقوياء ؛ صار الوطن نفسه أشبه بأرضٍ تائهةٍ تتقاسمها المخالب والأنياب.. ويومها يصبح الفقير عبئاً، والضعيف فريسة، والحقُ صوتاً لا يسمعه إلا مَن عرف قيمة الألم..يقول أونامونو: “الوحشية ليست في الغابات، بل في القلوب التي غادرها النور”.

وهذا النور هو ما نسميه ضميراً، وما نحسبه قانوناً، وما نرجوه عدلاً.

ومن أجل ذلك قال كانط في وصيته الأخلاقية الخالدة: “عامل الإنسان دائماً كغاية، لا كوسيلة”.

وما أشدّ حاجتنا إلى هذه العبارة في زمن تتسابق فيه المصالح وتتعانق فيه الأنانية، حتى يغدو الفرد مجرّد رقم، أو أداة، أو ورقة يمكن طيّها وتمزيقها بحسب ما يشتهي الأقوى.

إن شريعة الغاب لا تَولد من الخارج؛ بل تبدأ من داخل الإنسان حين يتغافل عن صوته الداخلي، ذاك الصوت الذي يسمّيه الناس ضميراً ويسمّيه الفلاسفة “الوعي الأخلاقي”. فإذا خمد الصوت ؛ هبّت الفوضى، وارتفعت أصوات لا تشبه البشر في شيء.. أما المجتمعات التي تحمي نفسها من هذه الفوضى ؛ فهي تلك التي تحصّن قوانينها بالعدل، وتحصّن أفرادها بالوعي، وتُدرك أن الحرية بلا نظام غابة، وأن النظام بلا حرية قفص.

قال زكي نجيب محمود: “ليست الحضارة ما نبنيه من جسور ومصانع، بل ما نبنيه من ضمائر”.

وهذه العبارة تكفي وحدها لتلخيص كل صراعٍ إنساني بين الظلمة والنور، وبين الغابة والمدينة، وبين الحيوان والإنسان الذي أراد الله له أن يكون خليفةً لا مفترساً.

وحين ننسى أننا أبناء العقل والضمير، نصبح أشد خطراً من أنياب الغاب.
لكنّ الخير فينا ليس وهماً؛ فهو يعود بمجرد أن نفتح نافذة صغيرة يدخل منها ضوء الحكمة.

وربما يكفي أن نتذكر ما قاله أحد المفكرين:
“ليس الإنسان إنساناً إلا حين يكون عوناً لإنسان”.

أمَّا ما عدا ذلك ؛ فهو غابٌ يمشي على قدمين!!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ حين ينسى الإنسان أنه ابن العقل والضمير !!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات