الاجتياح البري لإيران .. حين تقترب الحروب من عتبة العالم!!



عبدالمحسن الحارثي 

في علم الاستراتيجية العسكرية ؛ هناك قاعدة غير مكتوبة تقول إن الحروب تبقى قابلة للاحتواء ما دامت تُدار من الجو أو عبر الضربات المحدودة؛ لكنها تتحول إلى صراعات مفتوحة حين تُتخذ أخطر القرارات العسكرية: الاجتياح البري.

وقد لخّص المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز هذه الحقيقة حين قال: «الحرب ليست عملاً منفصلاً عن السياسة، بل امتداد لها بوسائل أخرى».

وفي ضوء هذه القاعدة ؛ فإن الحديث عن حرب برية ضد إيران لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تطور ميداني ، بل بوصفه تحولاً استراتيجيًا جذريًا قد يعيد تشكيل توازنات المنطقة وربما العالم.

إيران ليست دولة صغيرة في جغرافيتها أو في بنيتها البشرية والعسكرية..فهي دولة تقارب المئة مليون نسمة، وتمتلك منظومة عسكرية واسعة، فضلًا عن شبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر ساحات متعددة في الشرق الأوسط.
وفي مثل هذه الحالات ؛ يتحول أي اجتياح بري إلى ما يشبه فتح أبواب حرب متعددة الجبهات ؛ لأن الدولة المستهدفة لا تقاتل داخل حدودها فقط، بل عبر فضائها الاستراتيجي أيضًا.

وقد علّم التاريخ العسكري أن الجغرافيا والسكان هما الحليف الصامت في الحروب الطويلة..ففي حرب فيتنام ظنت القوة العظمى أنها ستنهي المعركة بسرعة ؛ لكنها وجدت نفسها في حرب استنزاف طويلة..وكذلك الحال في الغزو الأمريكي للعراق 2003؛ حيث كان إسقاط الدولة سريعًا، لكن إدارة الحرب بعد ذلك كانت أكثر تعقيدًا وكلفة.

ولهذا قال القائد العسكري نابليون بونابرت عبارته الشهيرة: «لا ترتكب خطأ غزو بلد واسع».

وتزداد حساسية المشهد حين يكون الصراع في منطقة تتقاطع فيها طرق الطاقة والتجارة العالمية.

فالممرات البحرية القريبة من مسرح الصراع، مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب ؛ ليست مجرد ممرات جغرافية، بل شرايين الاقتصاد العالمي.

ولهذا لاحظ الدبلوماسي والمفكر الاستراتيجي هنري كيسنجر أن السيطرة على الممرات الحيوية كثيرًا ما تكون أهم من السيطرة على الميدان نفسه.

وفي مثل هذه الحروب ؛ يظهر ما يسميه خبراء الاستراتيجية معضلة الحسم. فحين تتعثر الجيوش في حرب برية طويلة، وتتراكم الخسائر ؛ يبدأ البحث عن وسائل حاسمة لتغيير ميزان المعركة.

وهنا يظهر النقاش الخطير حول استخدام الأسلحة النووية التكتيكية المحدودة، وهي أسلحة صُممت لتكون أقل تدميرًا من الترسانة النووية الاستراتيجية، لكنها تبقى قادرة على تغيير مسار الحرب في لحظة واحدة.

غير أن التاريخ يعلّمنا أن فتح باب السلاح النووي، ولو بصورة محدودة ؛ يطلق ديناميكية تصعيد يصعب ضبطها.

وقد عبّر الفيزيائي ألبرت أينشتاين عن هذا القلق حين قال: «لا أعرف بأي سلاح ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة»..وهي عبارة تختصر المخاوف العميقة من أن يتحول التصعيد العسكري إلى كارثة حضارية.

ومن الحكم القديمة في التراث العسكري قولهم: «الحرب أولها كلام، وآخرها ندم»..وهي حكمة تختزل مسار كثير من الحروب التي بدأت بحسابات دقيقة وانتهت بنتائج لم يتوقعها أحد.

ولعل أكثر ما يثير القلق في الحالة الراهنة أن الشرارات الكبرى في التاريخ ؛ غالبًا ما تبدأ بأحداث تبدو محدودة.

فقد تحولت أزمة إقليمية صغيرة في البلقان إلى شرارة أشعلت الحرب العالمية الأولى وغيرت وجه العالم.

إن الاجتياح البري لإيران -إن وقع- لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية؛ بل اختبارًا قاسيًا لقدرة النظام الدولي على احتواء التصعيد.

فالدول الكبرى قد تدخل المعركة مباشرة أو عبر تحالفاتها، والممرات الحيوية قد تتحول إلى أدوات ضغط، والأسواق العالمية قد تهتز بعنف.

ولهذا تبدو الصورة اليوم شديدة الحساسية فحين تتشابك الجغرافيا مع المصالح الدولية، وتدخل الأسلحة الاستراتيجية في الحسابات ؛ يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تبدأ الحروب ؛بل كيف يمكن إيقافها قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم العالم بأسره.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ الاجتياح البري لإيران .. حين تقترب الحروب من عتبة العالم!!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات