قراءة عربية في لحظة مفصلية .. حين تُختبر الثقة قبل التحالف



عبدالمحسن محمد الحارثي

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تطورات سياسية متسارعة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مفهوم الثقة داخل التحالفات العربية، وحدود الصبر السياسي حين تتراكم المؤشرات وتتعاظم الوقائع.

وفي هذا السياق ؛ برزت ممارسات منسوبة إلى القيادة الإماراتية، بقيادة محمد بن زايد وحكومته ؛ أثارت قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية العربية، ودفعت إلى إعادة تقييم مسار العلاقة وآليات إدارتها.

لقد حرصت دول عربية عدة، وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي، خلال السنوات الماضية على ضبط الخطاب وتغليب منطق التهدئة ؛ انطلاقًا من إدراك دقيق لحساسية المرحلة، وأهمية الحفاظ على تماسك البيت الخليجي، وعدم الانجرار إلى سجالات قد تُضعف الموقف العربي في محيط إقليمي مضطرب.

غير أن تراكُم الوقائع، واتساع دائرة التساؤلات ؛ جعلا هذا الصبر محل مراجعة جادة.

يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو:
«العدل هو روح الدولة، ولا يمكن أن تقوم دولة بلا التزام بالأمانة والحق».
وهي مقولة تستدعيها اللحظة الراهنة، إذ إن إدارة التحالفات لا تقوم على المصالح وحدها، بل على الأمانة السياسية والوفاء بالالتزامات.

من تباين السياسات إلى أزمة ثقة

ما يُثار اليوم لم يعد يُصنَّف في إطار اختلاف وجهات النظر أو تباين التقديرات السياسية، بل يُنظر إليه – في القراءة العربية العامة – على أنه أزمة ثقة تمس جوهر العلاقة، وتضع الخطاب المعلن في مواجهة الممارسة الفعلية.

وهو ما يجعل الحديث عن مرحلة فاصلة توصيفًا تحليليًا، لا مبالغة لغوية.
وفي هذا السياق، يحذّر ابن خلدون بقوله: «إذا فسد المنزع ؛ فسد التدبير».

إذ إن الخلل في منطلق القرار السياسي ؛ ينعكس مباشرة على نتائجه، مهما كانت محاولات التبرير.

مآلات محتملة تستدعي التوقف

إن استمرار هذا المسار، دون مراجعة أو تصحيح ؛ قد يقود إلى نتائج لا تخدم أي طرف، من أبرزها:

تآكل الثقة المتبادلة بين الدول العربية، وهي ركيزة أساسية لأي تحالف.

إضعاف منظومة مجلس التعاون الخليجي، بما يحمله ذلك من تبعات أمنية واستراتيجية.

اهتزاز المصداقية السياسية في المحافل الإقليمية والدولية.

تراكم ضغوط داخلية قد لا تكون في صالح الاستقرار على المدى البعيد.

ويقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل:
«المشكلة ليست في المواجهة، بل في الصمت أمام الخطأ».

وهو تنبيه مبكر إلى أن تجاهل الإشارات التحذيرية غالبًا ما يُفاقم الأزمات بدل احتوائها.

الشعب خارج دائرة الجدل

من المهم التأكيد أن هذا النقاش لا يستهدف الشعب الإماراتي الشقيق، الذي يبقى محل تقدير واحترام، وجزءًا أصيلًا من النسيج العربي المشترك..فالمساءلة المطروحة هنا سياسية بطبيعتها، تتعلق بإدارة القرار في قمته، لا بالمجتمع أو خياراته.

ويعبّر إدغار هوفر عن ذلك بقوله:

«النوايا الحسنة لا تُلغي نتائج الأفعال الخاطئة».

فالمعيار في السياسة هو الأثر، لا النية المعلنة.

الحاجة إلى تصحيح محسوب

المرحلة الراهنة لا تحتمل التصعيد الإعلامي ولا القطيعة الانفعالية، بقدر ما تحتاج إلى تصحيح مسار واضح ومسؤول، يعيد الاعتبار:

1. لحرمة العهود والالتزامات.

2. لشفافية القرار السياسي.

3. لتحمّل المسؤولية في موقعها الطبيعي.

ويقول أرسطو أيضًا: «الفضيلة فعلٌ في وقته».

والتأخير في لحظات التحوّل قد تكون كلفته أعلى من الاعتراف المبكر بالخطأ.

نحن أمام لحظة دقيقة في التاريخ السياسي العربي:

إمّا مراجعة تُعيد الثقة وتحصّن التحالفات، وإمّا استمرار في مسار قد يفرض – بحكم الوقائع – قطيعة سياسية لا يرغب بها أحد، لكنها قد تُطرح كخيار وقائي أخير.

المسؤولية هنا ؛ تقع على صانع القرار، لا على الشعوب.

والتاريخ، كما علّمنا ؛ لا يحاكم النوايا، بل النتائج.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ قراءة عربية في لحظة مفصلية .. حين تُختبر الثقة قبل التحالف

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات