الإعلام السياسي بين الحقيقة والمجاز



عبدالمحسن محمد الحارثي

الإعلام السياسي ليس ناقلًا للحدث فحسب، بل أداة لإدارة إدراك الجمهور وصياغة الواقع بما يخدم مصالح القوى الكبرى أكثر من الحقيقة نفسها.

كما قال ريمون آرون: «السياسة هي فنّ جعل الممكن يبدو حتميًّا» .

وهذا يوضح كيف تتحكم المانشيتات على الشاشات ليس في خصوم السياسيين فقط، بل في موقف الجمهور وتوقعاته..وما يُقال علنًا، كما أشار هنري كيسنجر، «هو أقلّ ما يُقصد» ؛ إذ لا يكون الهدف نقل الحقيقة، بل تهيئة المناخ الذهني المناسب للقرار السياسي.

الرسائل بين القوى الكبرى ؛ ليست مجرد تهديدات، بل اختبارات محسوبة للحدود..وفي هذا الإطار، نجد أن اللورد بالمرستون يذكر: «الدول لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة»، بينما يحذر جوزيف ناي من أن «أخطر أشكال القوة ؛ هي التي لا تُرى».

هذه المقولات توضح أن الإعلام السياسي أداة لإدارة الصراع بالضبط والتأثير الخفي، وليس للانتصار بالمعنى المباشر، وأن الرأي العام غالبًا ما يكون الهدف الأول لهذه الرسائل.

في الشرق الأوسط ؛ موقع الدول العربية محسوب بدقة بين القوى الكبرى ، فهي توازن مصالحها بين الاستقرار الإقليمي والمناورة الاستراتيجية.

المكاسب تتحقق عند استغلال الفراغات الاستراتيجية وتقاطع مصالح القوى، والمخاسر تظهر عند الانجرار لصراعات لا تخص المنطقة.

وكما يقول صن تزو: «الانتظار أحيانًا ؛ قرار ، لا فراغ»، وهذا ينطبق على استراتيجيات الصبر والتقدير، بينما يوضح كارل فون كلاوزفيتز: «السلام الذي لا يعيد توزيع القوة ؛ هدنة مؤجلة» ؛ وهو ما نراه في ملفات مثل الحرب الروسية – الأوكرانية.

وفي نهاية المطاف ؛ كما يذكر توماس هوبز: «العالم لا تحكمه الحقيقة، بل الرواية الأقوى عنها»، ما يعكس طبيعة الإعلام السياسي وأثره في توجيه إدراك الجماهير دون الحاجة إلى كشف الحقيقة .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ الإعلام السياسي بين الحقيقة والمجاز

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات