في الثلث الأخير من من أهداف التنمية المستدامة لماذا لا يتحول الوعي إلى سلوك ؟
مازن القحطاني
نقف اليوم على أعتاب الثلث الأخير من المسار الزمني الذي بدأ في عام 2015 لأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، ولم نعد في مرحلة إطلاق الرؤى ولا في بدايات التنفيذ، بل في مرحلة المراجعة الجادة ويجب ان نقول، ماذا تحقق فعليًا؟
وأين تعثّر التقدم؟
ولماذا لم تتحول كثير من الالتزامات العالمية إلى تغيير ملموس في حياة الناس؟
خلال العقد الماضي، وُضعت استراتيجيات طموحة، وأطلقت مبادرات واسعة، وتكاثرت التقارير والمؤشرات.
ارتفع مستوى الوعي العالمي العام بقضايا التنمية، وتكررت الرسائل حول أهمية المشاركة المجتمعية والعمل الجماعي.
ومع ذلك، ما زالت فجوة واضحة تفصل بين ما يعرفه الناس وما يمارسونه فعليًا في حياتهم اليومية، وهذه الفجوة لا يمكن تفسيرها فقط من زاوية السياسات أو الموارد، وجزء كبير من الإشكالية أعمق من ذلك: إنها مسألة سلوك المجتمع.
لطالما افترضت كثير من برامج التنمية أن المعرفة تقود تلقائيًا إلى التغيير.
فإذا فهم الأفراد القضايا الكبرى، فسيتصرفون بناءً على هذا الفهم.
غير أن التجربة العالمية تشير إلى عكس ذلك.
المعرفة ضرورية، لكنها نادرًا ما تكون كافية.
فالبشر لا يغيرون سلوكهم لأنهم تلقوا معلومة جديدة، بل لأن طريقة رؤيتهم لأنفسهم ولعلاقتهم بالعالم من حولهم قد تغيّرت.
هنا يبرز إطار “المعرفة – المواقف – الممارسات”، الذي يوضح أن المواقف تمثل الحلقة المحورية في أي عملية تغيير.
يمكن للمجتمعات أن تمتلك قدرًا عاليًا من الوعي، ومع ذلك تستمر أنماط السلوك القديمة.
السبب أن المعرفة بقيت سطحية، لم تتحول إلى قناعة داخلية أو هوية جديدة.
ما يعرفه الخبراء في التعامل مع المجتمعات والسكان هو أن أي تغيير عالمي أو أهداف مشتركة لا يتحقق بمجرد إطلاق السياسات ومن ثم نشر المعلومات.
بل يتطلب دمج هذه القيم في الثقافة اليومية والبيئة المحيطة بالفرد والمجتمع، حتى تتحول إلى نمط حياة طبيعي، لا مجرد مهمة على قائمة الالتزامات، وعندما تصبح هذه الممارسات جزءًا من الحياة اليومية فعندها يبدأ التغيير الحقيقي في المجتمع وسرعان ما تظهر النتائج.
والتدخلات التي تكتفي بشرح المشكلة غالبًا ما تصطدم بهذا الحاجز.
أما التدخلات التي تعيد تشكيل المواقف، فهي التي تفتح الباب للتغيير الحقيقي.
فعندما يشعر الإنسان أن سلوكه يعكس قيمه، وانتماءه، وصورته عن ذاته، يصبح التغيير قرارًا ذاتيًا لا استجابة مؤقتة.
ولهذا، فإن التحدي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يكمن فقط في صياغة السياسات، بل في تصميم تجارب حياتية تساعد الناس على تبني سلوكيات جديدة بشكل طبيعي.
السلوك لا يتشكل عبر الرسائل الإرشادية وحدها، بل عبر البيئات المحيطة: ما الذي يُسهَّل؟
ما الذي يُكافَأ اجتماعيًا؟
وما الذي يصبح جزءًا من الروتين اليومي؟
فالمجتمعات لا تتغير بالمواعظ وحسب، بل بالعادات.
وعندما ننظر إلى مسار أهداف التنمية المستدامة عالميًا، نلاحظ أن كثيرًا من المبادرات ما زالت تعتمد على منطق “التوعية أولًا”، بينما المرحلة الحالية تتطلب انتقالًا نحو “التصميم السلوكي”.
أي بناء سياسات وبرامج تنطلق من فهم عميق للدوافع البشرية، وتأخذ في الاعتبار السياق الاجتماعي، وتحوّل القيم المجردة إلى ممارسات ملموسة.
في الثلث الأخير من رحلة أهداف التنمية المستدامة التي بدأت، لم يعد كافيًا تكرار أدوات المرحلة الأولى، فالمطلوب اليوم هو إعادة تموضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
ليس بوصفه متلقيًا للرسائل، بل شريكًا في صياغة الحلول.
وهذا يتطلب استثمارًا أكبر في تحليل سلوك المجتمعات:
كيف تتشكل القرارات؟
ما الذي يحفز المشاركة؟
وما الذي يخلق مقاومة للتغيير؟
المرحلة القادمة تستدعي تدخلات تستهدف المواقف قبل المعرفة، وتبني الدوافع الداخلية قبل التعليمات، وتخلق بيئات تجعل السلوك الإيجابي هو الخيار الأسهل، لا الاستثناء، فالعالم لا يفتقر إلى الأطر الاستراتيجية، لكنه يفتقر إلى مقاربات ترى التنمية كعملية اجتماعية مستمرة، لا كمجموعة أهداف رقمية.
فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد المبادرات، بل بمدى تحوّل السلوك الجمعي.
وفي نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه ونحن نقترب من عام 2030 ليس: ماذا يعرف الناس عن التنمية المستدامة؟
بل: كيف يعيشونها في تفاصيل حياتهم اليومية؟
وهنا يبدأ الفرق بين الطموح والواقع.

