فخ التوقعات
ثريا الشهري
هناك وصفة سحرية ومجانية لتضمن لنفسك جرعات منتظمة من خيبة الأمل والألم النفسي، وهي بسيطة للغاية: ارفع سقف توقعاتك في البشر من حولك. انتظر منهم أن يبادلوك نفس القدر من الاهتمام، أن يتذكروا كل تفاصيلك المهمة، أن يكونوا مثاليين في ردود أفعالهم، وألا يخذلوك أبدًا. إن فعلت ذلك، أضمن لك رحلة مليئة بالمطبات العاطفية والصدمات غير المتوقعة.
نحن بطبيعتنا نميل لتعليق آمال كبيرة على من نحبهم أو نهتم لأمرهم. نفترض أنهم يرون العالم من نفس زاويتنا، ويملكون نفس المبادئ، وسيتصرفون تمامًا كما كنا سنتصرف لو كنا مكانهم. وهنا يكمن الفخ الكبير. فكل إنسان هو عالم قائم بذاته، له ظروفه، وتقلباته المزاجية، وأولوياته المختلفة التي قد لا تكون أنت على رأسها دائمًا، وهذا ليس بالضرورة لؤمًا منهم، بل هي ببساطة الطبيعة البشرية.
المشكلة ليست في الناس، بل في “السيناريو” الذي نكتبه في أذهاننا عنهم. نحن نخرج فيلمًا كاملاً في مخيلتنا، نوزع فيه الأدوار على الآخرين، ونحدد حواراتهم وتصرفاتهم المثالية. وحين يخرج أحدهم عن هذا النص الذي لم يقرأه أصلًا، نشعر بالخذلان والغدر. في الحقيقة، هم لم يخذلونا، بل خذلتنا توقعاتنا غير الواقعية.
إذًا، كيف ننجو من هذا الفخ المتكرر ونعيش بسلام داخلي أكبر؟ الحل لا يكمن في أن نعتزل الناس أو أن نتحول إلى كتل من الشك والتشاؤم، بل في تعديل العدسة التي نرى بها الأمور:
1. اعتنق مبدأ “الأصل في الناس التقصير”: هذا ليس حكمًا سلبيًا، بل هو درع واقٍ. افترض دائمًا أن النسيان والخطأ والتقصير هي أمور واردة. فإن جاء منهم ما يخالف ذلك فهو كرمٌ منهم يُشكرون عليه، وإن جاء ما يوافق توقعك المنخفض، فلن تُصدم.
2. استثمر في نفسك، لا في ردود أفعالهم: بدلًا من أن تفعل شيئًا وأنت تنتظر عبارة شكر أو رد جميل، افعله لأنه يعكس قيمك ومبادئك أنت. اجعل عطاءك نابعًا من ذاتك، لا طلبًا لشيء من الآخرين. بهذه الطريقة، يتحول العطاء إلى مصدر سعادة ذاتي لا يخضع لتقييم أحد.
3. فرق بين “الأمل” و”التوقع”: من الجميل أن نأمل في الخير من الناس، ولكن من الخطر أن نتوقع منهم الكمال. الأمل هو شعور إيجابي منفتح على كل الاحتمالات، أما التوقع فهو طلب صارم ينتظر نتيجة واحدة فقط.
4. تواصل بوضوح ولا تفترض: كثير من خيبات الأمل تأتي من سوء الفهم الناتج عن افتراضنا أن الآخرين يفهمون ما نريده دون كلام. بدلًا من أن تتوقع من الطرف الآخر أن يقرأ أفكارك، عبر عن احتياجك أو انزعاجك بوضوح وهدوء. قد تكتشف أن الأمر برمته لم يكن سوى سوء فهم بسيط، وهو ما فصلته سابقًا في مقال عن عدم الفهم وسوء الفهم، بعنوان: “لقد أسأت فهمي ! ” حيث يمكن للقارئ الاطلاع عليه ليرى الفجوة الكبيرة بين ما نقوله وما يفهمه الآخرون.
في النهاية، السلام الداخلي لا يأتي من تغيير الناس ليوافقوا توقعاتنا، بل من إدارة توقعاتنا لتوافق حقيقة الطبيعة البشرية. أنزل سقف توقعاتك بالآخرين إلى الطابق الأرضي، وارفع سقف طموحاتك بنفسك إلى عنان السماء. عندها فقط، ستكتشف أن الحياة تصبح أخف وطأة، وأنك أصبحت محصنًا ضد الكثير من الخيبات التي كنت تظنها حتمية.




Robica~
إنها خيباتي من كانت أشد رفاقي جدوى لروحي ،
شري الذي كان لابد منه
لأنهض لأستطيب وأكبر وأتهذّب
كزُحل في سكون القدر كانت تواجهني فأعود لأُزهِر
أما كاتبتنا الرائعة ثُرياتي مقالكِ يغمره دفء العاطفة كأنتِ ، وكأن تلك الحلول خُلقت لتُكتب من يدك
حضن كبير ثُريات القلب ♥️