كيف يعيش مجتمعنا الفلسفة رغم غيابها؟



مازن القحطاني

توجهنا إلى القراءة في هذا الوقت يُعد خطوة إيجابية ومهمة، لكنه يظل ناقصًا إذا توقف عند حد القراءة وحدها دون أن يمتد إلى ما بعدها، فالوحي السماوي الوحيد الذي افتُتح بـ «اقرأ» لم يكن يوجّه الإنسان إلى فعل القراءة بوصفه غاية، بل بوصفه بداية لمسار أوسع من الفهم والإدراك، ثم جاءت سورة القلم، والتي تُعد بحسب الرواية المعتمدة ثاني ما نزل، لتبدأ بـ : «نون والقلم وما يسطرون»، في إشارة عميقة إلى مكانة القلم، لا كأداة كتابة فحسب، بل كأداة إنتاج للمعرفة، وصناعة للوعي، وهكذا، لم يكن التأسيس الأول قائمًا على القراءة وحدها، بل على ثنائية القراءة والكتابة؛ قراءة تُنشئ القارئ، وقلم يُنشئ المعنى، ليكتمل بذلك البناء المعرفي الذي لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يشارك في إنتاجها.

وإذا كان هذا البناء لا يكتمل بالتلقي وحده، بل يحتاج إلى وعيٍ يحلّل ويُسائل ويعيد تشكيل المعنى، فإن هذا الوعي هو ما عُرف تاريخيًا بالفعل الفلسفي، فالفلسفة ليست موضوعًا منفصلًا عن المعرفة بل هي لحظة تعمّقها، والمرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من استهلاك الأفكار إلى التفكير فيها ومن حفظها إلى مساءلتها ومن تلقيها إلى إنتاجها.

المسألة لم تكن يومًا في قدرة الجيل على التفكير، بل في المساحات التي سُمح له أن يفكر فيها، فالفلسفة لم تختفِ لأن الناس لم يعودوا قادرين عليها أو على ممارستها، بل لأنها انسحبت من حياتهم اليومية، وتحوّلت من حديقة عامة متاحة للجميع إلى حديقة مسورة تحرسها المصطلحات الثقيلة واللغة المعزولة، ومع ذلك، فإن كل ما يفعله جيلنا اليوم يكشف أن الفلسفة لم تغب عنهم، بل غابت عنهم تسميتها فقط، فهي حاضرة في طريقة تساؤلهم، وفي محاولاتهم للفهم، وفي بحثهم المستمر عن المعنى، لكنها لم تُقدَّم لهم بهذا الاسم.

حين يناقش الشباب مجريات مباراة لكرة القدم، فهم يتعاملون مع مفاهيم مثل السببية والاختيار والنتائج، وأيضًا حين يختلفون حول نهاية فيلم، فهم يناقشون المعنى والنية والتفسير، وحين يتجادلون حول قضايا المجتمع، فهم يمارسون الحكم الأخلاقي، ويوازنون بين القيم، ويعيدون تعريف ما هو عادل وما هو غير عادل، وهذه ليست مجرد آراء عابرة، بل هي في جوهرها ممارسة فلسفية حتى لو لم تُسمَّ بهذا الاسم.

لكن المفارقة تظهر عندما يُذكر مصطلح “الفلسفة”. فجأةً يتحول الأمر إلى شيء بعيدٍ معقدٍ لا ينتمي للحياة اليومية، لا لأن الفلسفة بطبيعتها بعيدة، بل لأن طريقة تقديمها جعلتها كذلك، ففي وقتنا الحالي تطرح الفلسفة بوصفها تاريخًا لأسماء ونظريات معرفية، لا بوصفها أداة لفهم الذات والعالم بل وكأنها وجدت ليحتضنها الورق، ومن ثم تحولت إلى مادة تُحفظ، لا أسلوب يعاش وترتقي به المجتمعات، وهنا بدأ الانفصال.

الفلسفة في أصلها لم تكن حكرًا على الأكاديميين، بل كانت جزءًا من الحياة العامة، سقراط لم يكن يكتب في قاعات مغلقة، بل كان يحاور الناس في الأسواق، يسألهم عن العدالة، والفضيلة، والمعرفة، ويعيد التفكير في المسلّمات من خلال الحوار، وأفلاطون لم يؤسس الفلسفة كنصوص جامدة، بل كحوارات حية تُبنى من السؤال قبل الجواب، وفي تراثنا الروحي والفكري، لم تكن الفلسفة أقل قربًا من الإنسان؛ فقد كتب جلال الدين الرومي بلغة تمس التجربة الإنسانية مباشرة، ولم يخاطب النخبة بقدر ما خاطب الإنسان في قلقه وفي بحثه عن المعنى وفي علاقته بذاته وبالعالم ولم يكن هدفه تقديم نظريات معقدة، بل إعادة الإنسان إلى أسئلته الأولى، وإلى وعيه بنفسه، وهذا يؤكد أن الفلسفة لم تولد في العزلة، بل في قلب الحياة، وأنها كانت دائمًا أقرب إلى الإنسان مما يظن.

غياب الفلسفة اليوم ليس غيابًا حقيقيًا، فهو غياب في الشكل، لا في الجوهر، فالناس ما زالوا يتساءلون ويشكّون ويبحثون عن المعنى، لكنهم يفعلون ذلك خارج الإطار الذي سُمّي تاريخيًا بالفلسفة ولقد استمر الفعل واختفى الاسم، وهذا ما خلق وهمًا بأن الفلسفة لم تعد موجودة، بينما هي في الحقيقة تمارس كل يوم، في النقاشات، وفي التساؤلات، وفي محاولة كل إنسان أن يفهم نفسه والعالم من حوله، والمشكلة ليست في الناس، بل في الصورة التي قُدّمت لهم، فحين تُقدَّم الفلسفة كأسماء معقدة ونظريات بعيدة سيشعر الفرد حتمًا أنها لا تخصه، ولكن حين تُقدَّم بوصفها أداة لفهم القلق والاختيار والمعنى فسيدرك أنها كانت دائمًا جزءًا منه، فالفلسفة ليست شيئًا نضيفه إلى الحياة، بل شيئًا يحدث تلقائيًا حين نحاول أن نفهم، والفلسفة لم تختفِ لأن الجيل لم يعد يفكر، بل لأن التفكير لم يعد يُعرَّف بوصفه فلسفة، ولو وضعت الفلسفة في مكانها الطبيعي في الحوار والتساؤل والتجربة اليومية فلن تكون شيئًا جديدًا يتعلمه الناس، بل شيئًا يتعرفون فيه على أنفسهم لأول مرة وهذا ما سيعطي قيمة أكبر للتجربة الأدبية ويعمق أواصر الأمن الثقافي.

تخيل، وأنت تقف في باحة منزلك، أنك تعثر على كميات وفيرة من الذهب الخالص، لا تفكر في استثماره أو صوغه أو تعظيم قيمته، بل تأخذه ببساطة لتسد به تشققات الجدران وتعبّد به الممرات القديمة، هدرٌ صريح لثروة نادرة في موضع لا يليق بها، وهكذا تبدو الفلسفة في وقتنا الحاضر؛ نمتلك الأدوات والمبادئ والقدرة على إحداث نهضة فلسفية حقيقية، لكننا نستهلكها في معالجات سطحية، ونوظّفها في سياقات لا ترتقي إلى إمكاناتها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ كيف يعيش مجتمعنا الفلسفة رغم غيابها؟

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات