جبر الخواطر
ليس الإنسان جسدًا يسير على الأرض فحسب، بل هو كيانٌ متكامل من روحٍ ومشاعر وأحاسيس. فالروح هي جوهر الإنسان، والمشاعر هي اللغة التي تعبّر بها هذه الروح عن نفسها.
فهي التي تجعل الإنسان يشعر بالخوف والفرح، بالحزن والغضب، وهي التي تدفعه للتعاطف مع الآخرين وفهم ما يمرّون به من ظروفٍ وآلام.
ولهذا فإن الإنسان في حقيقته مجموعة من المشاعر؛ فهي التي تحدد طبيعته، وتكشف قوته أو ضعفه، وخيره أو شره.
وكلما كان الإنسان أكثر وعيًا بمشاعره ومشاعر من حوله، كان أكثر اتزانًا وإنسانية في تعامله مع الناس.
إن احترام المشاعر ليس مجرد سلوك اجتماعي لطيف، بل هو خلقٌ إنساني عظيم يزرع السلام في القلوب ويجعل العلاقات أكثر صفاءً ونقاءً.
فالكلمة قد ترفع إنسانًا وتداوي جرحه، وقد تكون سببًا في كسر قلبٍ لا يعلم أحد بوجعه.
لذلك كان الإسلام يربّي الإنسان على مراعاة مشاعر الآخرين وحفظ كرامتهم.
وقد دلّ على ذلك قول النبي ﷺ:
«كُلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يومٍ تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة»
(رواه البخاري ومسلم).
فالحديث يبيّن أن أبواب الخير كثيرة، وأن الكلمة الطيبة ليست مجرد كلام جميل، بل عمل صالح يؤجر عليه الإنسان؛ لأنها قد تكون بلسمًا لقلبٍ متعب، أو سببًا في رفع معنويات إنسان يمر بظرفٍ صعب.
وقد وجّه القرآن الكريم كذلك إلى حسن القول ومراعاة مشاعر الناس، فقال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
(البقرة: 83).
وهذه الآية قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس، فهي تدعو إلى أن تكون كلماتنا طيبة، وأسلوبنا رفيقًا، وأن نتذكر دائمًا أن خلف كل إنسان قلبًا يتأثر بما يُقال له.
كما أن من أعظم صور مراعاة المشاعر في الإسلام مراعاة مشاعر الفقير والمحتاج، فليس المقصود من العطاء مجرد تقديم المال، بل حفظ كرامة الإنسان وعدم جرح مشاعره.
وقد نبّه القرآن الكريم إلى هذا المعنى فقال تعالى:
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
(البقرة: 263).
فالكلمة الطيبة قد تكون أعظم أثرًا من صدقةٍ يُتبعها أذى أو تذكير بالفضل؛ لأن الفقير قد يتحمل قلة المال، لكنه يتألم من جرح الكرامة وكسر المشاعر.
بل إن القرآن الكريم حذّر أيضًا من الأسلوب الجارح أو الساخر الذي قد يؤذي مشاعر الآخرين، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾
(الحجرات: 11).
ومن مظاهر عناية الإسلام بالمشاعر أيضًا ما شرعه الله من التعزية وجبر الخاطر عند المصائب؛ فحين يفقد الإنسان عزيزًا أو يمر بحزنٍ شديد، شرع الله أن يأتي الناس إليه يواسونه ويقفون معه بالكلمة الطيبة والدعاء، فيخففون عنه ألم الفقد ويجبرون خاطره.
وهذا دليل على أن جبر المشاعر ومواساة القلوب عملٌ عظيم في ميزان الأخلاق والإنسانية.
وقد قال الله تعالى مبيّنًا قيمة الصبر والتواصي بالمشاعر الطيبة بين الناس:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾
(البلد: 17).
فالمجتمع الذي يتواصى بالرحمة هو مجتمعٌ يحفظ المشاعر ويجبر الخواطر، ويقف فيه الناس مع بعضهم في الفرح والحزن، فيصبح التراحم بينهم أساسًا للعلاقات الإنسانية الصادقة.
إن مراعاة المشاعر ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي قوة أخلاقية تدل على رقي الإنسان. فالله سبحانه عندما وصف العلاقة بين الزوجين قال:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
لأن الرحمة ومراعاة المشاعر هي التي تحفظ العلاقات وتبقيها قوية حتى في أوقات الخلاف.
ومراعاة المشاعر تبدأ من أبسط العلاقات في حياتنا؛ فحين نراعي مشاعر الأطفال فإننا نبني شخصياتهم بثقة واحترام، وحين نحفظ مشاعر الإخوة تتقوى صلة الرحم بينهم، وحين يحترم الزملاء مشاعر بعضهم في العمل تتكوّن بيئة عمل يسودها التعاون والتفاهم.
وفي نهاية الأمر تبقى القلوب أغلى ما يملكه الإنسان، والكلمة قد تكون مفتاحًا لها أو سببًا في إغلاقها.
لذلك فلنحفظ مشاعر الناس كما نحب أن يحفظوا مشاعرنا، ولنجعل كلماتنا جسرًا للمودة لا سببًا للألم.
فمشاعر الناس أمانة… ومن حفظ الأمانة، كسب قلوب الناس ونال رضا الله قبل كل شيء .



