إبراهيم صخري “طويل الرمح”.. شاعرٌ حمل الوطن في قصائده والإعلام في رسالته
في زمنٍ كانت فيه القصيدة تُكتب بالحبر، وتُتداول بين المجالس والصفحات الثقافية قبل أن تعرف المنصات الرقمية طريقها إلى الناس، برزت أسماءٌ صنعت حضورها بقوة الكلمة، لا بضجيج الظهور.
ومن بين تلك الأسماء يبرز الشاعر والإعلامي إبراهيم صخري الغريب العنزي، المعروف بلقب «طويل الرمح»، أحد الأصوات التي جمعت بين أصالة الشعر النبطي ورسالة الإعلام، فحمل الوطن في قصائده، وجعل من الإعلام مهنةً ورسالةً ومسؤولية.
يُعد “طويل الرمح” من الأسماء التي حضرت مبكرًا في الساحة الشعرية السعودية، وأسهمت في إثراء المشهد الثقافي خلال الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، حيث كانت الكلمة تُبنى على جودة النص وقيمته الأدبية، قبل أن تتغير أدوات النشر ووسائل الوصول إلى الجمهور.
وفي هذا اللقاء، يفتح لنا صفحاتٍ من سيرته، ويستعيد أبرز محطات مسيرته، ويقدّم رؤيته لواقع الشعر والإعلام، مستندًا إلى تجربة امتدت لعقود.
البدايات الأولى… عندما كانت القصيدة تُولد على الورق
يستعيد إبراهيم صخري بداياته قائلاً:
“كانت البدايات بسيطة وصادقة، في زمنٍ كان القلم والورقة هما المنصة الوحيدة، وكانت القصيدة لا تصل إلى الناس إلا إذا استحقتها. تعلمنا أن نحترم الكلمة، وأن نصبر عليها حتى تنضج.”
ويؤكد أن انطلاقته لم تكن بحثًا عن الشهرة، وإنما كانت رحلة لإثبات الذات وصناعة هوية شعرية خاصة، وهو النهج الذي ظل متمسكًا به طوال مسيرته.
الإعلام والشعر… رسالة واحدة
وعن جمعه بين الإعلام والشعر، يقول:
“لم أشعر يومًا أن الإعلام والشعر طريقان مختلفان، فالإعلام ينقل الحقيقة، والشعر ينقل الإحساس، وكلاهما يحتاج إلى الصدق والمسؤولية.”
ويشير إلى أن هذه الثنائية ليست جديدة على الساحة الثقافية، مستشهدًا بتجربة الشاعر والإعلامي فهد عافت، الذي استطاع أن يوازن بين المجالين، مؤكدًا أن الإعلام يمنح الشعر مساحة للوصول، فيما يمنح الشعر الإعلام روحًا ورسالة.
الوطن… حضور دائم في القصيدة
ورغم تنوع موضوعاته الشعرية، يؤكد “طويل الرمح” أن الوطن ظل حاضرًا في وجدانه، ويقول:
“الوطن ليس مناسبة نكتب لها، بل هو شعور يعيش مع الشاعر في كل قصيدة، ويزداد حضورًا كلما ازداد حب الإنسان لوطنه وقيادته.”
ويرى أن القصيدة الوطنية تمثل مسؤولية أدبية ووطنية، لأنها توثق مشاعر الانتماء، وتعكس الصورة المشرقة للوطن في مختلف المناسبات.
أمسيات صنعت الذاكرة
وعن أبرز مشاركاته، يقول:
“كانت أولى الأمسيات في مهرجان المدينة الرابع، وشاركني فيها شاعر النظم عبدالله بخيت السناني -رحمه الله-. ثم جاءت الأمسية الثانية في المكتب الثقافي المصري بالسفارة المصرية في الرياض، وبعدها المشاركة في مهرجان (حائل… صيفها هايل) مع مجموعة من شعراء تلك المرحلة، وجميعها كانت في بدايات التسعينيات الميلادية.”
ويؤكد أن تلك المشاركات شكلت محطة مهمة في مسيرته، لأنها قامت على قوة النص، وثقافة الشاعر، والتواصل المباشر مع الجمهور.
الأغنية… الجودة قبل كثرة الإنتاج
وعن تجربته مع الأغنية، يقول:
“كنت وما زلت أؤمن أن العمل الفني يُقاس بالكيف لا بالكم.”
ويضيف أن بداياته كانت من تبوك مع فنانها الأول فهيد البيشي -رحمه الله-، الذي تغنى بعدد من قصائده، منها:
* الهاجوس.
* ليلة الأوهام.
* عشرة مصالح.
ثم تعاون مع الفنان القدير فتى تيماء في أعمال:
* أتظاهر بالزعل.
* حب المذلة.
* في حياتي.
* معازيب الوفاء.
* نصيحة.
كما قدّم له كلمات وألحان أغنية “صديقي جاني يشكي”.
وتواصلت التعاونات مع الفنان كمال حمدي في قصيدة “موج حبك”، والفنان خالد السلامة في قصيدة “عشير المصلحة”.
أما أكثر الفنانين تعاونًا معه فكان الفنان فهد عبدالمحسن، حيث جمعتهما أعمال عدة، من أبرزها:
* الشعار.
* مشوار حزني.
* عجايب.
* الرواية.
* الضياع.
* بعض الجفا.
* من؟
إضافة إلى أعمال خاصة احتفظ بها كتسجيلات شخصية لم تُطرح للجمهور.
الشعر النبطي… بين الأمس واليوم
وعن رؤيته للمشهد الشعري، يقول:
“أنا من جيل القلم والورقة، وأعتقد أن الفترة الممتدة من الثمانينيات وحتى بدايات الألفية كانت من أكثر المراحل ازدهارًا للشعر النبطي، حيث برزت أسماء صنعت حضورها من خلال جودة النص، قبل انتشار المسابقات والمنصات الرقمية.”
ويضيف:
“مع تطور المشهد الثقافي، ظهرت مسابقات وبرامج شعرية كان لها أثر في انتشار الشعر، لكنني أرى أن بعضها ركّز على الجانب الجماهيري والتنافسي أكثر من تركيزه على القيمة الأدبية للنص.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الباب أمام الجميع للنشر، وهو أمر إيجابي من جهة، لكنه جعل المتلقي يواجه كمًا كبيرًا من المحتوى، وأصبح التمييز بين النصوص المتقنة وغيرها أكثر صعوبة.”
ويؤكد أن مسؤولية المحافظة على الذائقة الأدبية تقع على عاتق الشعراء والإعلاميين والناشرين المتخصصين، من خلال تقديم أعمال ترتقي بالكلمة وتحترم عقل المتلقي.
الإعلام… مسؤولية قبل أن يكون منصة
وحول دور الإعلام في دعم الشعر، يقول:
“الإعلام اليوم أصبح متاحًا للجميع، بمختلف خلفياتهم ومستوياتهم، وهذه ميزة كبيرة إذا استُثمرت بالشكل الصحيح.”
ويضيف:
“يبقى الالتزام بالضوابط المهنية، واحترام الأنظمة والتعليمات المنظمة للعمل الإعلامي في المملكة العربية السعودية، هو الأساس الذي يحفظ للإعلام رسالته ومصداقيته.”
أغلى شهادة في مسيرته
وعندما سألناه عن أهم الشهادات التي تلقاها، أجاب:
“الشهادات كثيرة، ومعظمها كان شفهياً، لكنني أعتز كثيرًا بما حظيت به من تشجيع وثقة من صاحب السمو الملكي الأمير ممدوح بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، وأعدها من أغلى ما أعتز به في مسيرتي.”
الشدائد… محطات تصنع الإنسان
ويرى “طويل الرمح” أن النجاح لا تصنعه الإنجازات وحدها، بل تصنعه التجارب أيضًا، ويقول:
“ظروف الحياة، والمتغيرات، والشدائد، هي التي تبني للإنسان محطات الوصول، وهي وقود الطموح، وقد تكون أحيانًا محطة يستريح فيها المحارب قبل أن يواصل طريقه.”
وعندما سألناه:
لماذا بقي اسم إبراهيم صخري “طويل الرمح” حاضرًا رغم تغير الأجيال والمنصات؟
ابتسم وقال:
أنت فقط من يجيب عن هذا السؤال… وأترك الإجابة للقارئ الكريم.
ولعل الإجابة تكمن في أن التجارب الصادقة لا ترتبط بزمن أو منصة، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة الناس، وهو ما جعل اسم “طويل الرمح” حاضرًا في المشهد الشعري والإعلامي حتى اليوم.
وأخيراً اختتم إبراهيم صخري حديثه برسالة إلى الجيل الجديد من الشعراء والإعلاميين، قائلاً:
“لا تستعجلوا الشهرة، فالنص الجيد هو الذي يبقى، أما المنصات فتتغير. اقرأوا كثيرًا، واكتبوا أكثر، واجعلوا الصدق، والوطن، والأخلاق، أساس كل كلمة تخرج من أقلامكم، فالكلمة أمانة، ومن يحملها بإخلاص يبقى أثره مهما تعاقبت الأجيال.”
ختاماً .. مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود، لم يكن إبراهيم صخري “طويل الرمح” مجرد شاعر يكتب القصيدة، أو إعلامي ينقل الخبر، بل كان شاهدًا على مراحل مهمة من تطور الشعر والإعلام في المملكة. ظل وفيًا للكلمة، مؤمنًا بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الاستمرار لا يصنعه إلا الصدق، واحترام المتلقي، والإيمان بأن الوطن سيبقى دائمًا أجمل القصائد.

