حين يصبح الصمت أكثر صدقًا..
خليفة العنزي
ليست كل الحكايات تُروى، ولا كل المشاعر تجد طريقها إلى الكلمات. هناك أوقات يصبح فيها الصمت لغة كاملة، أبلغ من الخطب، وأصدق من الاعتذارات، وأعمق من التبريرات.
نقضي أعمارنا نتعلم كيف نتحدث، لكننا نحتاج عمرًا آخر لنتعلم متى نصمت. فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تبقى محدودة أمام بعض المشاعر التي تتجاوز الوصف. هناك ألم لا يُشرح، وحنين لا يُترجم، وخيبة لا تسعها مفردات اللغة كلها.
الصمت ليس فراغًا كما يظن البعض، بل مساحة تمتلئ بما نعجز عن قوله. فيه تتجلى الحقيقة عارية من الزخرفة، وتظهر النوايا بعيدًا عن ضجيج التبرير. فكم من شخص قال الكثير ولم يقل شيئًا، وكم من شخص صمت ففُهمت رسالته كاملة.
وفي زمن تتسابق فيه الأصوات للظهور، أصبح الصمت موقفًا نادرًا. ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل حكمة تدرك أن بعض المعارك لا تستحق الرد، وأن بعض العلاقات لا يصلحها الجدل، وأن بعض النهايات لا تحتاج إلى تفسير.
ومع ذلك، يبقى الصمت سلاحًا ذا حدين؛ فقد يكون راحة للنفس، وقد يتحول إلى جدار يفصل بين القلوب. لذلك ليست الحكمة في الصمت ذاته، بل في معرفة متى نتحدث ومتى نترك للصمت أن يؤدي دوره.
ربما لا يتذكر الناس كل ما قلناه لهم، لكنهم يتذكرون جيدًا ما جعلهم يشعرون به. ولهذا، حين تعجز الكلمات عن حمل صدقك، دع أفعالك تتحدث، ودع صمتك يقول ما لا تستطيع العبارات قوله.
ففي بعض اللحظات من الحياة، يصبح الصمت أكثر صدقًا من ألف كلمة.

