بين عين الحاج وعدالة المشهد ..
عبدالمحسن محمد الحارثي
يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: «العدل هو أن تضع الأشياء في مواضعها الصحيحة».
وهذه العبارة تختصر كثيرًا من الجدل الذي يتكرر كل عام حول الخدمات المقدمة للحجاج في مكة المكرمة خلال موسم الحج؛ فثمة فرق بين ملاحظةٍ تستحق الوقوف عندها، وبين حكمٍ عام يُحمِّل المكان ومنظومته الهائلة أخطاءً فردية أو مواقف عابرة.
في هذا الموسم ؛ طرح أحد الحجاج العرب ثلاث ملاحظات رآها متكررة منذ سنوات؛ تمثلت في الارتفاع الكبير لأجرة التاكسي داخل المنطقة المركزية، والتفاوت الواضح في الأسعار للمسافة نفسها، ثم ما يراه من دفع بعض الصيدليات للحاج نحو الأدوية الأعلى سعرًا رغم وجود بدائل أرخص، إضافةً إلى ملاحظته حول صِغر حجم وجبات الدجاج مقارنة بما اعتاده خارج المملكة.
ولأن خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية؛ فإن أي ملاحظة صادقة يجب ألا تُقابل بالإنكار أو الحساسية، بل بالمراجعة والتطوير.
وكما يقول بيتر دراكر: «ما لا يمكن قياسه… لا يمكن تحسينه».
فالملاحظات الميدانية حتى لو كانت فردية تظل مؤشرات تستحق الدراسة، لا سيما إذا تكررت على ألسنة أكثر من شخص.
لكن العدالة تقتضي أيضًا ألّا يتحول النقد إلى تعميم، وألّا تُختزل منظومة كاملة من الخدمات في مواقف جزئية. فمكة المكرمة ليست مدينة موسمية صغيرة، بل أعقد تجمع بشري منظم في العالم خلال فترة زمنية قصيرة، تُدار فيه حركة الملايين من البشر، بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وطبائعهم، وسط ظروف استثنائية لا تشبه أي مدينة أخرى على وجه الأرض.
وفيما يتعلق بالصيدليات والمطاعم؛ فمن الإنصاف القول إن هذه القطاعات تعمل طوال العام بالأنظمة نفسها، وتخضع لرقابة مستمرة من الجهات المختصة، كأمانة العاصمة المقدسة، والهيئة العامة للغذاء والدواء، وغيرها من الأجهزة الرقابية. وما قد يحدث من تجاوزات فردية إن ثبتت لا يمكن أن يتحول إلى صورة ذهنية عامة عن كل المنشآت.
ويقول المفكر الإنجليزي فرانسيس بيكون: «الإنصاف لا يعني غياب الخطأ، بل يعني ألّا يتحول الخطأ الفردي إلى حكم جماعي».
وهذه من أهم الإشكالات التي تقع في موسم الحج؛ إذ تُضخَّم أحيانًا التجارب الشخصية حتى تبدو وكأنها القاعدة، بينما الحقيقة أن آلاف المنشآت تعمل بانضباط عالٍ، وتخدم ملايين الحجاج يوميًا دون أن يسمع عنها أحد؛ لأن النجاح الهادئ لا يثير الضجيج مثلما تفعله الحوادث الفردية.
أما ما يتعلق بالمطاعم وأحجام الوجبات، فثمة عوامل عديدة تدخل في هذا الجانب؛ كنوع المورد، وسلاسل التوريد، وآليات التشغيل الموسمي، والاختلاف الطبيعي في أحجام المنتجات الغذائية بين بلد وآخر. كما أن المقارنة بين مطعم موسمي يعمل تحت ضغط هائل في أيام معدودة، وبين مطعم مستقر في بيئة اعتيادية خارج الموسم، ليست مقارنة دقيقة من جميع الزوايا.
غير أن الملاحظة الأقرب إلى الواقع وربما الأكثر إلحاحًا هي ما يتعلق بالمواصلات وأجرة التاكسي في أوقات الذروة.
فالزحام الشديد، وصعوبة الوصول إلى المنطقة المركزية، والإغلاقات المتكررة، كلها تجعل مهمة السائق مرهقة ومعقدة.
لكن ذلك، في المقابل، لا يبرر الفوضى في التسعير، ولا يفتح الباب أمام الاستغلال.
وهنا ؛ تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ «الأنظمة الموسمية الذكية»؛ أي التشريعات المؤقتة التي تُفعل في أيام الذروة فقط، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب، ويحفظ حق الحاج والسائق معًا.
فكما يقول الاقتصادي آدم سميث: «السوق الحرة تحتاج أحيانًا إلى يدٍ تنظّمها حتى لا تتحول الحرية إلى فوضى».
ومن هنا ؛ تبدو فكرة تحديد تسعيرة موسمية واضحة داخل نطاق الحرم وفق المسافة والزمن والذروة فكرة منطقية وعادلة، تمنع التفاوت غير المقبول، وتُغلق أبواب الاستغلال، دون الإضرار بالسائق الذي يعمل وسط ظروف استثنائية.
ومن المهم كذلك الإشارة إلى نقطة يغفل عنها كثير من المنتقدين؛ وهي أن جزءًا من المعاناة أحيانًا لا يرتبط بالخدمة نفسها، بل بخروج بعض الحجاج عن الأطر التنظيمية الرسمية. فهناك حملات معتمدة، ومؤسسات طوافة، وخدمات متكاملة تشمل النقل والسكن والإعاشة والرعاية، لكن بعض الأفراد يختارون الحج بطرق فردية أو منخفضة التكلفة، ثم يصطدمون لاحقًا بتحديات الزحام والأسعار والخدمات، قبل أن تُحمَّل هذه الإشكالات بالكامل للمدينة أو للجهات المنظمة.
ويقول المفكر مالك بن نبي: «المشكلة ليست دائمًا في نقص الإمكانات، بل أحيانًا في سوء التعامل معها».
وهذا المعنى ينطبق على كثير من المشاهد الموسمية؛ فالتنظيم موجود، والخدمات متوفرة بدرجات متفاوتة، لكن الخروج عن المنظومة المنظمة غالبًا ما يضاعف حجم المعاناة الفردية.
وفي النهاية ؛ تبقى الحقيقة الأهم أن خدمة الحجاج شرفٌ عظيم، وأن المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا تبذل جهودًا جبارة تتجاوز حدود الوصف، يشهد بها القريب قبل البعيد ، لكن عظمة الجهد لا تعني الاكتفاء، بل تستدعي استمرار التطوير، خصوصًا في الخدمات الشخصية المباشرة التي يلامسها الحاج بنفسه؛ كالمواصلات، والغذاء، والدواء.
فالناجح الحقيقي ليس من يرفض النقد، بل من يحسن الاستفادة منه ، وكما يقول كونفوشيوس: «الخطأ الحقيقي هو ألا نصحح أخطاءنا».
ومن هنا ؛ فإن الملاحظات الصادقة تستحق الرعاية والاهتمام، والتجاوزات الفردية تستحق الحزم والمعالجة، والأنظمة الموسمية تحتاج إلى تطوير مستمر، لكن الإنصاف يبقى واجبًا كذلك؛ لأن مكة ليست مجرد مدينة تُقاس بمعايير المدن العادية، بل قلب العالم الإسلامي، وأعظم مشروع إنساني وخدمي موسمي عرفه التاريخ الحديث.

