بؤرة الغير ..
د. جواهر الروقي
يروى أن رجلاً كان يحمل مرآة صغيرة في جيبه، وكلما مرّ بأحدٍ أخرجها لينظر إلى انعكاس صورته فيها ، سأله أحد الحكماء: “أترى وجهك أم ترى نفسك؟” فأجاب: “أرى ما يراه الناس مني ، ” فقال الحكيم: “إذن أنت لم تعرف نفسك بعد” .
كثير من الناس يعيشون داخل بؤرة الغير؛ لا يرون أنفسهم إلا من خلال أعين الآخرين، ولا يقيسون نجاحهم إلا بمقدار التصفيق الذي يتلقونه، ولا يزنون قيمتهم إلا بما يمنحه لهم الآخرون من قبول أو رفض ، فإذا رفعهم الناس ارتفعوا، وإذا أسقطوهم سقطوا، وكأن أرواحهم معلقة بخيوط يمتلكها غيرهم ، والمؤلم أكثر حين يحصر الإنسان نفسه داخل دائرة واحدة مغلقة؛ دائرة العمل أو العلاقة أو المسؤولية الأسرية، فيذوب فيها حتى يفقد ملامحه الخاصة. يصبح كطائر أُمسك باليد طويلاً، فلا هو بقي حراً يحلق في السماء، ولا هو وجد في الأسر حياة تليق بجناحيه ، ينسى هواياته، ويؤجل أحلامه، ويهمل راحته، ثم يظن أن هذا الاحتراق وفاء.
نحترق أحياناً لأننا نخلط بين العطاء وإلغاء الذات ، نعطي العمل حتى تستنزف قوانا، أو نعطي العلاقة حتى تذبل أرواحنا، أو نعطي المسؤوليات حتى ننسى أن لأنفسنا حقاً علينا ، ثم نتساءل بعد سنوات: ماذا جازينا به أنفسنا؟ ومتى كافأناها على كل هذا السعي؟
وقد سبق المنهج النبوي إلى معالجة هذا الخلل بدقة مدهشة ، فعندما بالغ بعض الصحابة في الاجتهاد على حساب جوانب أخرى من حياتهم، أرشدهم النبي ﷺ إلى التوازن، وقال: «إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه» ، فالإسلام لم يبن الإنسان ليكون آلة إنتاج، ولا تابعاً يذوب في رضا الآخرين، بل إنساناً متوازناً يؤدي رسالته دون أن يفقد نفسه في الطريق.
ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى قول الإمام الشافعي:
إذا مـا كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ
فأنتَ ومالِكُ الدُنيا سَواءُ
فالقيمة الحقيقية لا تأتي من تصفيق الناس، ولا من كثرة ما نمنحهم، بل من اتزان النفس ورضاها عن مسيرتها ، إن الحياة ميزان دقيق، فإذا مال كله نحو الآخرين سقطت النفس، وإذا مال كله نحو الذات ضاعت الرسالة. والنجاح الحقيقي أن تعرف متى تعطي، ومتى تتوقف، ومتى تلتفت إلى نفسك كما تلتفت إلى من حولك.
النصيحة التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب: لا تجعل نفسك مشروعاً دائماً لخدمة الآخرين حتى تنسى صاحب المشروع نفسه ، أحب الناس، وأخلص في عملك، وأدِّ مسؤولياتك، لكن اترك لنفسك نصيباً من الحياة، فإن الروح التي لا تجد ما يغذيها ستنطفئ ولو كانت محاطة بالتصفيق ، فليس كل احتراقٍ وفاء، وليس كل تضحيةٍ حكمة، وأحياناً تكون أعظم مسؤولية تجاه الآخرين أن تحافظ على نفسك أولاً، لأن النفس المنهكة لا تستطيع أن تمنح طويلاً، ولا أن تضيء للآخرين وهي غارقة في العتمة.

