هل تغيّر معنى الضيف؟
عبدالمحسن محمد الحارثي
في كل صيف، ومع مواسم الأعياد والأعراس واللقاءات العائلية ؛ يعود إلى المجالس سؤال قديم يتجدد في كل عام:
من هو الضيف؟
ورغم بساطة السؤال ؛ إلا أن كثيرًا من الجدل الدائر حول الضيافة اليوم لا يتعلق بالكرم ولا بالبخل، بقدر ما يتعلق باختلاف الناس في تعريف الضيف نفسه، وفي فهم حدود الضيافة وغاياتها.
قديمًا كان الأمر أوضح مما هو عليه اليوم..كان الضيف هو القادم من خارج القرية أو المدينة، يقطع المسافات الطويلة، ويطرق الباب طالبًا النزول أو الراحة. وكانت الضيافة آنذاك ضرورة إنسانية قبل أن تكون عادة اجتماعية؛ فالسفر شاق، والطرق محدودة، والخدمات نادرة، فكان إكرام الضيف لونًا من ألوان النجدة والإيواء والتكافل.
ومن هنا ؛ اكتسبت الضيافة مكانتها العالية في الوجدان العربي، حتى أصبحت رمزًا للمروءة وعنوانًا للكرم.
لكن الزمن تغيّر..اتسعت المدن، وتقاربت المسافات، وتعددت وسائل النقل والإقامة، بينما بقيت بعض المفاهيم القديمة تتحرك في واقع جديد مختلف تمامًا.
فالقادم في الإجازة الصيفية، أو الحاضر لمناسبة عائلية، أو الزائر الذي يتردد كل عام على المنطقة نفسها ؛ قد يُعامل أحيانًا معاملة ضيف الأمس، رغم اختلاف الظروف واختلاف طبيعة العلاقة.
وهنا تبدأ منطقة الالتباس.
فالناس لم يعودوا يفرّقون بين ضيفٍ جاءك، ومدعوٍّ دعوته، وزائرٍ اعتاد الحضور.
وقد تكون هذه الفروق البسيطة ؛ هي أصل كثير من النقاشات التي تدور اليوم حول الضيافة.
فالضيف يأتيك، والمدعو تجيء به، أما الكريم المتشوّف للناس فهو الذي يذهب فيأتي بالضيف والمدعو معًا.
وحين تختلط المسميات ؛ تختلط معها التوقعات.
فيأتي الرجل من بعيد في مناسبة أو عيد أو زواج، فيجد نفسه موضع ترحيب الجميع، ويجد الناس أنفسهم بين رغبة صادقة في إكرامه، وبين شعور اجتماعي يدفعهم إلى دعوته ولو لم تسمح ظروفهم بذلك..فتكثر العزائم، ويبدأ الحرج من الطرفين؛ هذا يخشى أن يُتَّهم بالتقصير، وذاك يخشى أن يُفهم اعتذاره على غير وجهه.
وهنا يكمن جوهر القضية.
فالضيافة حق ؛ لكنها ليست دينًا على الناس.
والكرم فضيلة عظيمة ؛ لكنه يفقد شيئًا من جماله حين يولد من الحرج لا من الرغبة.
ولذلك صدق القول:
خير الكرم ما سلم من التكلّف.
فالكرم الحقيقي لا يُقاس بحجم ما يُقدَّم، بل بصدق الدافع إلى تقديمه.
فالدعوة التي تخرج من القلب تختلف عن الدعوة التي يفرضها العرف، والذبيحة التي تُقدَّم ابتهاجًا بالضيف تختلف عن تلك التي تُقدَّم خشية كلام الناس.
ولهذا لا يُسأل عن الضيافة: كم كانت؟
بل يُسأل: كيف كانت؟
وقد تنسى ما أكلت، ولكنك لا تنسى كيف عوملت.
ومن الحكمة الاجتماعية أن ندرك أن الضيافة مسؤولية مشتركة بين الضيف والمضيف.
فالمضيف الكريم يراعي ضيفه، والضيف الكريم يراعي حال مضيفه.
ولهذا يمكن القول:
ليس كل من استحق الدعوة ينبغي أن يقبلها، وليس كل من أراد أن يعزم ينبغي أن يكلّف نفسه بها.
فبين حق الضيف، وقدرة المضيف، تنشأ الضيافة الجميلة التي تحفظ المودة من الحرج.
وكان العرب يمدحون المضيف الكريم، لكنهم كانوا يمدحون أيضًا الضيف الخفيف.
فالضيف النبيل ؛ ليس الذي يعرف كيف يقبل الدعوة فقط، بل الذي يعرف متى يخفف المؤونة عن الناس، ومتى يقدّر ظروفهم، ومتى يدرك أن المجاملة شيء والاستطاعة شيء آخر.
وفي المقابل ؛ هناك رجال لا ينتظرون الضيوف أصلًا.
تجدهم يلتقطون أصحابهم من المجالس، ويستوقفون معارفهم في الطرقات، ويصرّون على اصطحابهم إلى بيوتهم.
وهؤلاء لا يبحثون عن آكلين بقدر ما يبحثون عن مؤانسين؛ فالطعام عندهم وسيلة، أما الغاية فهي الأنس والاجتماع.
ولذلك قيل:
البيوت تُبنى بالحجارة، أما المجالس فتُبنى بالرجال.
ولعل المشكلة التي نعيشها اليوم ليست في قلة الكرم، ولا في كثرة الضيوف، بل في انتقال مفهوم الضيافة من كونه علاقة إنسانية إلى كونه أحيانًا مقياسًا اجتماعيًا للمفاضلة بين الناس.
فأصبح بعض الناس يقيس الكرم بعدد الذبائح، بينما يُقاس الكرم الحقيقي بمقدار ما يتركه الإنسان من أثر جميل في نفوس الآخرين.
فالذبائح تشبع البطون ساعات، أما حسن اللقاء فيُشبع الذاكرة سنوات.
وليس السؤال: ماذا قُدِّم للضيف؟
بل: ماذا بقي في نفسه بعد أن غادر؟
وقد تنجو العادات من تغيّر الأزمنة، لكنها لا تنجو من فقدان معانيها.
فكل عادة تبقى ما بقيت روحها، فإذا غابت الروح ؛ بقي الشكل وحده.
ولهذا:
إذا حضر المعنى ؛ هان المبنى.
وما المعنى هنا إلا المودة.
فالمائدة قد تجمع الناس ساعة، أما المودة فتجمعهم أعوامًا.
وربما كان الفرق بين الأزمنة الثلاثة أعمق مما نتصور.
فضيف الأمس كان يبحث عن المأوى، وضيف اليوم يبحث عن اللقاء، أما ضيف المستقبل فسيبحث عن المعنى.
سيبحث عن الصدق أكثر من المظاهر، وعن الألفة أكثر من البروتوكول، وعن مجلس يخرج منه بذكرى جميلة لا بصورة تذكارية.
ولهذا ؛ سيظل الناس يختلفون حول تعريف الضيف، لكنهم لن يختلفوا أبدًا على أن أجمل الضيافة ما دخلت به القلوب قبل البيوت، وغادر به الودّ بعد انفضاض المجلس.
فليس الضيف من أكل عندك، بل من سررت بحضوره.
وليس المضيف من أكثر الذبائح، بل من جعل ضيفه يغادر وقد ازداد ودًّا، لا شبعًا فقط ؛ لأن الطعام ذهب أثره مع آخر لقمة، أما المودة ؛ فتبقى ما بقيت الذكريات!!

