على مهل ..
خليفة العنزي
في زمنٍ يركض فيه الجميع، أصبح التمهل فعلًا نادرًا. نركض خلف الوظائف، وخلف الأحلام، وخلف الأخبار، وحتى خلف لحظات السعادة وكأنها قطارٌ يخشى أن يفوتنا. لكننا ننسى أحيانًا أن الحياة لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بعمق ما نعيشه أثناء الطريق.
كثيرٌ من أجمل الأشياء تنمو على مهل؛ الشجرة التي تمنح الظل تحتاج سنوات، والعلاقات الصادقة تحتاج وقتًا، والنضج الإنساني لا يولد في ليلة واحدة. حتى الجروح التي تؤلمنا لا تلتئم بالأوامر، بل بالصبر ومرور الأيام.
المشكلة ليست في السعي، بل في استعجال النتائج. نريد النجاح الآن، والتغيير الآن، والراحة الآن. وعندما لا يحدث ذلك، نظن أننا تأخرنا، بينما قد تكون الحياة تُعِدّ لنا شيئًا لا يكتمل إلا في وقته المناسب.
اجتماعيًا، أصبح الإنسان يقارن رحلته برحلات الآخرين. يرى إنجازاتهم المعلنة، ولا يرى سنوات التعب والصبر التي سبقتها. فيشعر أن الجميع يتقدم إلا هو، وأن الجميع وصل إلا هو. والحقيقة أن لكل إنسان توقيته الخاص، وأن المقارنة تسرق منا متعة النمو الهادئ.
فلسفيًا، ربما لا تكون الحكمة في الوصول السريع، بل في أن نصل ونحن أكثر فهمًا لأنفسنا وأكثر سلامًا مع ما مررنا به. فما قيمة القمة إذا فقدنا أرواحنا ونحن نصعد إليها؟
لذلك، لا بأس أن نمشي على مهل. أن نمنح أنفسنا فرصة للتأمل، وللخطأ، وللتعلم، وللاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي للحياة.
فالذين يركضون دائمًا قد يصلون أسرع، لكن الذين يسيرون على مهل غالبًا ما يرون الحياة بوضوح أكبر.

