حين تسبق الإرهاصاتُ الأحداث..



عبدالمحسن محمد الحارثي

في السياسة كما في الطبيعة ؛ لا تهبُّ العواصف فجأة، بل تسبقها علامات لا يلتفت إليها إلا من اعتاد قراءة الأفق.

وليست الأحداث الكبرى وليدة لحظتها، ولا تنشأ التحولات المفصلية من فراغ، بل كثيراً ما تسبقها إرهاصاتٌ متناثرة، تبدو للوهلة الأولى وقائع متفرقة لا رابط بينها، حتى إذا اكتملت الصورة ؛ أدرك الناس أن تلك الشواهد كانت أجزاءً من مشهدٍ واحد يتشكل بهدوء. ولعل ما قاله المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل يلخص هذه الحقيقة حين أشار إلى أن «الأحداث الكبرى تُلقي بظلالها قبل أن تقع».

وفي المناطق الحدودية على وجه الخصوص ؛ لا تُقرأ الأحداث بمعزل عن سياقاتها، ولا تُفهم الوقائع بالنظر إلى ظاهرها فقط؛ فالحدود ليست مجرد خطوطٍ جغرافية تفصل بين دولتين، بل هي مساحات تتقاطع فيها المصالح، وتتحرك فيها الرسائل السياسية والأمنية والعسكرية بأشكال متعددة، بعضها ظاهر، وبعضها الآخر لا يُدرك إلا بعد حين.

ومن يتابع المشهد على الحدود الجنوبية للمملكة يلحظ جملةً من التطورات التي تستحق التوقف عندها؛ فهناك أعدادٌ كبيرة من المهاجرين الأفارقة تتواجد على امتداد مناطق حدودية مختلفة، في مشهد يتجاوز المألوف من حيث الحجم والانتشار، بالتزامن مع عودة التهديدات الحوثية إلى الواجهة، وتحركات ميدانية متفرقة تثير التساؤلات، يقابلها رفعٌ لمستوى الجاهزية والاستعداد من قبل القوات السعودية والقوات التابعة للحكومة اليمنية الشرعية.

وليس المقصود من ذلك القفز إلى استنتاجات متعجلة، فالدول لا تبني قراراتها على الظنون، كما أن الأحداث لا تُفسر دائماً وفق أكثر الاحتمالات إثارة. غير أن القراءة الواعية تقتضي عدم إغفال تزامن هذه المؤشرات ؛ لأن السياسة لا تقرأ الحدث منفرداً، بل تقرأ توقيته ومكانه وما يجاوره من أحداث.

فالكتل البشرية الكبيرة في المناطق الحدودية ليست مجرد أرقام تُسجل في تقارير الهجرة، بل قد تتحول ـ حين تتوافر الظروف المناسبة ـ إلى أوراق ضغط، أو أدوات استغلال، أو بيئات رخوة تتسلل عبرها أجندات مختلفة. وهذه حقيقة عرفتها كثير من مناطق الصراع حول العالم، حيث امتزج الإنساني بالأمني، واختلطت حركة البشر بحسابات السياسة والحرب.

كما أن التهديدات التي يطلقها الحوثي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تصريحات عابرة؛ فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، بل بالكلمة والإشاعة والحشد النفسي وصناعة القلق وإرباك الحسابات. ومن هنا تصبح الرسائل الإعلامية جزءاً من المعركة، حتى وإن لم تتبعها مواجهة مباشرة.

وفي المقابل ؛ فإن ما تقوم به المملكة من متابعة دقيقة للمشهد وتعزيزٍ للجاهزية هو أمرٌ ينسجم مع نهجها المعروف في حماية حدودها وأمنها الوطني. فالدول الراسخة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابها، بل تستعد له قبل أن يكتمل، وتقرأ الإشارات قبل أن تتحول إلى وقائع.

ولعل السؤال الأهم ليس: ماذا يحدث اليوم؟ بل: ماذا يمكن أن يعني اجتماع هذه التطورات في توقيت واحد؟ فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الأحداث الكبيرة بدأت بمؤشرات صغيرة لم يلتفت إليها أحد، وأن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات ليس نقص المعلومات، بل تجاهل الدلالات.

ولأن الجغرافيا لا تصنع القلق وحدها، بل تصنعه أيضاً حركة البشر، وتقلبات السياسة، ورسائل السلاح، فإن الحدود تبقى أكثر الأماكن حساسية لقراءة ما يُقال وما لا يُقال، وما يُرى وما يختبئ خلف المشهد. فهناك، عند تخوم الأوطان، لا تُقاس الأمور بحجم الحدث القائم فحسب، بل بما قد يحمله من دلالات، وما يمكن أن يفضي إليه من تحولات.

قد تكون هذه الإرهاصات مجرد تزامن فرضته ظروف المرحلة، وقد تكون مقدماتٍ لتحولات قادمة لا تزال ملامحها غامضة، لكن المؤكد أن اليقظة تبقى واجباً، وأن قراءة المشهد بعينٍ واعية خيرٌ من انتظار اكتماله بعد فوات الأوان.

ولأن الأوطان لا تُحمى بردود الأفعال وحدها، فإن قراءة المشهد قبل اكتماله تبقى من علامات الوعي السياسي والنضج الوطني. فالإرهاصات لا تصنع الأحداث دائماً، لكنها كثيراً ما تسبقها، والعاقل من يلتقط خيوط الصورة وهي تتشكل، لا بعد أن تكتمل.

أما الأمم اليَقِظَة ؛ فإنها لا تنتظر العاصفة لتدرك اتجاه الريح، بل تقرأ حركة الغيوم منذ اللحظات الأولى.

فحين تسبق الإرهاصاتُ الأحداث، لا يكون الامتحان في القدرة على رؤية المشهد، بل في القدرة على فهمه. فكم من أممٍ رأت الغيوم تتجمع في الأفق فلم تدرك معناها إلا بعد هبوب العاصفة، وكم من أوطانٍ حفظها الله بيقظة رجالها حين قرأوا الإشارات قبل أن تصبح أحداثاً.