برود الأحياء ..
د.جواهر الروقي
في إحدى المناسبات النسائية، التقت امرأتان بعد غياب ، تبادلتا السلام، وتبادلتا الابتسامات، وسارت بينهما كلمات المجاملة المعتادة ، لم يكن في المشهد ما يلفت الانتباه، إلا أن شيئًا خفيًا كان غائبًا؛ ذلك الدفء الذي لا تصنعه الكلمات، ولا تستطيع المجاملات أن تخفي غيابه ، قيل لي بعد ذلك إنهما كانتا يومًا من أقرب الصديقات، تتشاركان التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وتعرف كل واحدة منهما من الأخرى ما لا يعرفه الكثيرون.
حينها تساءلت: ماذا يحدث للعلاقات عندما لا تنتهي بالخصام، ولا تنقطع بالغياب، لكنها تفقد روحها؟ كيف يصبح بعض الأشخاص أحياء في الواقع، وغائبين في القلب؟
أعتقد أن من أصعب المشاعر التي قد يمر بها الإنسان ما يمكن تسميته بـ “برود الأحياء” ، ذلك الشعور الذي لا يشبه الكراهية، ولا يشبه الحب، ولا حتى الحزن ، إنه مرحلة تتوقف فيها المشاعر عن الركض خلف شخصٍ ما، بعد أن أنهكتها المواقف.
فنحن غالبًا لا نفقد الناس دفعة واحدة، بل نفقدهم موقفًا بعد موقف ، كلمة في غير موضعها، غياب عند الحاجة، خذلان في وقت انتظار، أو تكرار لسلوك يكشف حقيقة لم نكن نريد رؤيتها ، وفي كل مرة نحاول أن نجد عذرًا، وأن نُبقي الصورة الجميلة كما هي. لكن المواقف تملك قدرة عجيبة على كشف ما تخفيه الأيام، حتى يأتي وقت ندرك فيه أن المشكلة لم تكن في موقف واحد، بل في سلسلة طويلة من الإشارات التي تجاهلناها.
غير أن السؤال الأهم: كيف نتعامل مع هذا البرود حين يتسلل إلى قلوبنا؟
هنا يبرز جمال المنهج النبوي؛ لأنه منهج لا يدعو إلى القطيعة السريعة، ولا إلى التعلق المؤذي ، فالنبي ﷺ كان أوفى الناس للناس، وأرحمهم بهم، لكنه كان أيضًا أكثرهم بصيرة بطبيعة العلاقات البشرية ، لم يكن يطالب القلوب بما لا تطيق، ولم يكن يسمح للأذى أن يتكرر بلا حدود.
وحين قال ﷺ: “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”، لم يكن يدعو إلى سوء الظن، بل إلى الوعي. ولم يكن يحث على القسوة، بل على التعلم من التجارب ، فالمؤمن ليس مطالبًا بأن يفتح الباب نفسه في كل مرة ثم يشتكي من النتيجة ذاتها ، وليس مطالبًا بأن يستهلك قلبه في إصلاح من لا يريد الإصلاح ، وفي المقابل، لم يعلمنا النبي ﷺ أن نحمل الضغائن، أو أن نحول الخذلان إلى كراهية دائمة ، بل كان منهجه قائمًا على التوازن؛ نعطي الناس أقدارهم، ونحفظ لأنفسنا كرامتها، ونتعامل بالمعروف، دون أن نرهن سلامنا النفسي بمواقف الآخرين.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان مع النضج أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى معركة لإنهائها، بل إلى إعادة تعريفها فقط ، فليس كل من ابتعد أصبح عدوًا، وليس كل من خذلنا يستحق أن نحمل له الكراهية ، أحيانًا يكفي أن نُنزله من منزلةٍ لم يعد أهلًا لها، وأن نتوقف عن تحميله توقعات لم يعد قادرًا على الوفاء بها ، وهذا في الحقيقة ليس قسوة، بل عدل ، عدل مع النفس قبل أن يكون مع الآخرين ، لأن كثيرًا من الألم لا يأتي من أفعال الناس، بل من توقعاتنا تجاههم.
وفي رأيي، فإن برود الأحياء ليس موتًا للمشاعر بقدر ما هو نضج لها ، إنه اللحظة التي يتوقف فيها القلب عن المطالبة بما لم يعد ممكنًا، ويتوقف فيها العقل عن تبرير ما أصبح واضحًا ، إنه انتقال هادئ من التعلق إلى الاتزان، ومن الانتظار إلى القبول، ومن الخيبة إلى الفهم.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الإنسان إلى أن يمحو أحدًا من ذاكرته، فالذاكرة لا تعمل بهذه الطريقة ، لكنه يحتاج إلى أن يتصالح مع حقيقة أن بعض الأشخاص لم يعودوا كما كانوا، وأن بعض الأماكن في القلب أُغلقت بهدوء بعد أن أغلقتها المواقف.

