غربة روح



ثَمَّةَ نوعٌ من الموت لا تُرفع له نعوش، ولا تُقام له مجالس عزاء، ولا تُذرف عنده الدموع علنًا؛ موتٌ هادئٌ يتسلّل إلى الروح حين تجد نفسك جالسًا بين وجوهٍ تحمل ملامحك، أو تحفظ تفاصيل طفولتك، أو تشاركك شجرة النسب ذاتها، ومع ذلك تشعر أن روحك غريبة عنهم، وأن ملامحك الحقيقية قد مُحيت من ذاكرتهم كما يمحو المطر حبر رسالةٍ قديمة.

تجلس بينهم، لكنك لا تشعر أنك منهم. تسمع أصواتهم، ولا تجد بينها صوتًا يُشبهك. كأنك هامشٌ منسيٌّ في روايةٍ هم أبطالها، أو صفحةٌ طواها الزمن دون أن يلتفت أحدٌ إلى ما كُتب فيها.

يمرّون فوق وجعك كما يمرّ العابرون فوق رصيفٍ مألوف، لا يلتفتون إلى شقوقه، ولا يسمعون أنين الحجارة تحت أقدامهم. تمنحهم من ضوء روحك ما يكفي لإضاءة عتماتهم، فيحسبونه واجبًا، وتهديهم من نبض قلبك ما يملأ لياليهم دفئًا، فيرونه حقًا مكتسبًا لا فضلًا يُشكر عليه.

ومع مرور الأيام تضيق بك جدران الألفة الباردة، وتشعر أن أنفاسك أصبحت زجاجًا هشًّا يتكسّر في حنجرة الصمت. وما أقسى الخذلان حين تضطر إلى شرح نفسك لمن كان يُفترض أن يقرأك من نظرة، أو يفهم صمتك قبل كلامك.

لكن الحياة، في حكمتها العجيبة، لا تغلق بابًا إلا لتفتح نافذة ، فالمعجزة تبدأ حين تغادر أسوار التوقعات الثقيلة، وتمضي نحو العالم وأنت تحمل انكساراتك بصمت. هناك، في الطرقات التي لم تحفظ اسمك، وبين الوجوه التي لا تعرف تاريخك، يحدث ما لم يكن في الحسبان.

تجد من يُصغي إلى نبرة صوتك كما لو كان يسمع قصةً يعرفها منذ زمن. وتجد من يقرأ في عينيك تضاريس وطنٍ ضائع، ومن يرى في صمتك بلاغةً، وفي تعبك بطولةً، وفي محاولاتك المتعثرة شجاعةً تستحق التقدير.

هناك، بين الغرباء، يراك البعض كما أنت، لا كما يريدونك أن تكون. يحتفون بجوهرك لا بقرابتك، ويمنحونك احترامًا لم تستجده، وتقديرًا لم تطلبه، لأنهم رأوا فيك الإنسان قبل أي شيء آخر.

فتدرك حينها أن قيمة المرء لا تُقاس بقرب الناس منه، بل بقدرتهم على رؤيته حقًا. فكم من قريبٍ عرف الاسم وجهل الروح، وكم من غريبٍ لامس أعماق القلب دون أن يعرف شيئًا عن السيرة أو النسب.

إنها ليست دعوةً للقطيعة، ولا نشيدًا للغربة، بقدر ما هي تأملٌ مؤلم في حقيقةٍ تتكرر كثيرًا: أن التقدير لا تورثه القرابة، وأن الفهم لا تمنحه صلة الدم بالضرورة، وأن الأرواح تجد أوطانها أحيانًا في أماكن لم تتوقعها.

فالعظيم لا يصغر لأن الآخرين لم يدركوا عظمته، والماس يبقى ماسًا وإن ظنه العابرون حجرًا عاديًا. والقيمة الحقيقية لا يخلقها اعتراف الناس، بل تسكن في جوهر الإنسان ذاته.
سلامٌ على أولئك الذين عرفونا وسط الزحام، ورأوا في صمتنا حديثًا، وفي انكساراتنا قوة، وفي حضورنا قيمة.
وحسرةٌ على من أضاعونا وهم الأقرب إلينا،