جَرَيَانُ الأيَّامِ؛ في شَرَيَانِ الحَيَاةِ



عبدالمحسن محمد الحارثي

جريان الأيام لا يسألنا إن كنا مستعدين؛ إنه يمضي، ويترك لنا حرية اختيار الأثر الذي سيبقى بعدنا.

تجري الأيام كما يجري الدم في الشريان؛ لا تتوقف لأحد، ولا تنتظر مترددًا، ولا تُبطئ خطاها لمنتظر.

والإنسان، بوصفه المخلوق العاقل ؛ يقف أمام هذا الجريان متأملًا، متسائلًا: متى انقضى ما مضى؟ وكيف عبرت بنا الأعمار من ضفة الطفولة إلى شاطئ الشيخوخة دون أن نشعر؟

وقد قالوا: “الأيام لا تمضي وحدها؛ إنها تحمل معها شيئًا من أعمارنا”.

وقال أحد الحكماء: “الوقت هو المادة الخام التي صُنعت منها الحياة”.

ولعل أعظم خسارات الإنسان أن يبدد عمره في ما لا يترك أثرًا.

بالأمس القريب ؛ كُنَا نستقبل مولودًا جديدًا، واليوم نودع راحلًا إلى مثواه الأخير، وبين الميلاد والوفاة تختصر الحياة حكايتها كلها.

إنها دورة الوجود التي لا تتبدل، وإن تبدلت وجوه البشر وأسماؤهم ؛ فالزمان لا يشيخ، وإنما نحن الذين تترك الأيام بصماتها على وجوهنا وأرواحنا.

وفي هذا المعنى ؛ قال أحد الفلاسفة: “لا نعبر النهر مرتين؛ لأن النهر يتغير، ونحن نتغير”.

كما قيل: “كل إنسان يترك خلفه ثلاثة تواريخ: يوم مولده، ويوم رحيله، وما صنعه بينهما”.

وبين صرخة مولود وصلاة جنازة ؛ يكتب الإنسان سيرته التي سيقرؤها الناس بعده.

وفي خضم هذا الجريان المتسارع ؛ تتسابق البشرية في ميادين التطور، حتى أصبح تحديث الأمس قديمًا في نظر اليوم، وصارت القمم التي كانت تُعدُّ أحلامًا بعيدة ؛ محطاتٍ عابرة في سباق لا يهدأ.

غير أن هذا التسارع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل بلغ الإنسان غاية العلم؟

لقد قال الحق سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهي حقيقة تضع الإنسان أمام حدوده مهما اتسعت معارفه.

فليس السؤال: متى يبلغ الإنسان نهاية العلم؟
لأن نهايته ليست في متناول البشر، وإنما السؤال الأجدر: متى يبلغ الإنسان وسطية العلم؛ تلك المرحلة التي يدرك فيها أن المعرفة مسؤولية، وأن التواضع أمام المجهول فضيلة، وأن الاعتراف بحدود الإدراك لون من ألوان الحكمة؟

وقد قيل: “أول العلم أن تعرف جهلك”.

وقيل أيضًا: “كلما ازددت علمًا، ازددت يقينًا بأن ما أجهله أعظم مما أعلمه”.

فالعلم الحقيقي لا يبدأ حين نجد الإجابات، بل حين نتقن صياغة الأسئلة.

ومن علامات النضج الفكري ، أنْ يتحول اليقين المتعجل إلى بحثٍ متزن ؛ لأن “العلم بحرٌ لا ساحل له، ومن ظن أنه بلغ منتهاه فقد توقف عن التعلّم”.

وعلى الرغم من هذا التقدم المعرفي الهائل ؛ لا تزال الأمم تتناحر حول ثلاثية قديمة: الدِّيْن ، والمال، والنفوذ.

تتغير الأدوات، وتتبدل التحالفات ؛ لكن دوافع الصراع تبقى كما هي.

وكأن الإنسان لم يستوعب بعد أنَّ العمر أقصر من أن يُستهلك في نزاعات لا تنتهي.

وقد قيل: “حين يعجز الحوار ؛ تتكلم المدافع”.

وقال أحد المفكرين: “الإنسان لا يخوض معظم حروبه دفاعًا عن الحق، بل دفاعًا عما يظنه حقًّا”.

فالحروب تبدأ في العقول قبل أن تصل إلى الحدود، وما أكثر ما دفعت البشرية أثمانًا باهظة لأخطاء لم تُراجع، وأهواء لم تُهذَّب.

إن عالَمَنا اليوم ؛ ليس هادئًا كما يبدو ، فهو مليء بالبراكين الخامدة والنشطة، ومشحون بالزلازل والمحن والكوارث. وما الطبيعة إلا مرآة تذكّر الإنسان بضعفه، وأنه مهما بلغ من القوة ؛ فإنه لا يملك السيطرة المطلقة على مجريات الكون.

وقيل في الحكمة: “الطبيعة لا تعاقب أحدًا، لكنها لا تستثني أحدًا”.

والبراكين لا تثور كل يوم، وكذلك الأزمات؛ لكنها تُنذر طويلًا قبل انفجارها. وبين هزة أرض وعاصفة عاتية ؛ يُدْرِك الإنسان أن كثيرًا مما ظنه سيطرةً مطلقة ؛ لم يكن إلا وهمًا مؤقتًا.

وفي الوقت ذاته ؛ تتسابق الدول في مضمار الحياة، وقد رفع كثير منها شعارًا غير معلن: البقاء للأقوى.

حتى لَيُخَيّل للناظر أننا نعيش نسخة حديثة من عصر الغاب ؛ الغلبة فيه للمخلب والناب، لا لصوت الحكمة والعقل.

مع أن الإنسان تميّز عن سائر المخلوقات بعقلٍ وهبه الله له ؛ ليكون أداة بناءٍ وعدلٍ وتوازن، لا وسيلة هيمنةٍ واستعلاء.

ولعل من أبلغ ما قيل: “القوة التي لا يضبطها الضمير تتحول إلى وحش”.

وليس أخطر على العالم من قوةٍ بلا حكمة، أو علمٍ بلا ضمير.

فالحضارة التي تتقدم في الصناعة وتتأخر في الأخلاق ؛ إنما تؤجل أزمتها ولا تمنعها.

وإذا استغنى الإنسان بعقله عن القيم ؛ عاد إلى قانون الغاب وإن لبس ثوب المدنية.

لكن التاريخ، في صفحاته القديمة والحديثة ؛ يكرر حقيقة لا تتغير: من يصل إلى الطغيان؛ يسقط من حيث كان. فالجبروت لا يدوم، والاستبداد مهما اشتد عوده يحمل في داخله بذور أفوله. وما أكثر الذين ظنوا أن سلطانهم خالد ؛ فإذا بهم يتحولون إلى سطور في كتب التاريخ، تُتلى للعظة والاعتبار.

وقد قالوا: “إذا بلغ الظلم نهايته ؛ بدأ سقوط صاحبه”.

وقالوا أيضًا: “الرياح التي ترفع النار ؛ هي نفسها التي تطفئها”.

فكل طاغية يظن أن سقوط من سبقه كان استثناءً ؛ حتى يكتشف أنه القاعدة.
وما أكثر الذين صعدوا درجات المجد مسرعين، ثم هبطوا منها ؛ لأنهم نسوا أن الاتزان جزءٌ من الارتفاع.

وهكذا ؛ تمضي الأيام في شريان الحياة ، تحمل معها المواليد والراحلين، والانتصارات والانكسارات، والعلم والجهل، والبناء والهدم.

ويبقى الإنسان أمام هذا الجريان مدعوًا إلى أن يحيا بوعي، وأن يسعى بعقل، وأن يتزود من العلم بقدر ما يقوده إلى الحكمة، وأن يدرك أن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في الاتزان، وأن الزمن لا يمنح أحدًا استثناءً من سننه.

فليس المهم أن تطيل الحياة، بل أن تعمّقها.

وليس النصر الحقيقي أن تغلب خصمك، بل أن تغلب دوافع الظلم في نفسك.
كما أن الأمم لا تُقاس بطول تاريخها، بل بقدرتها على صناعة مستقبلها ؛ لأن الأثر الطيب عمرٌ ثانٍ لا يعرف الفناء.

فما الحياة إلا أيام معدودات؛ تمضي بنا أو نمضي بها، ويبقى الأثر الحسن هو الشريان الذي لا ينقطع جريانه بعد الرحيل.

ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان من جريان الأيام ؛ أن كل شيءٍ عابر إلا العمل الصالح، وكل قوة إلى زوال إلا قوة المبدأ، وكل علم يبهت إلا العلم الذي يهدي إلى الحكمة.

أمّا الإنسان ؛ فليس بما جمع، ولا بما بلغ، وإنما بما تركه من أثرٍ جميل في شريان الحياة.

وفي نهاية المطاف ؛ لن يتذكر الناس سرعة السيارة التي قدناها، ولا حجم المناصب التي شغلناها، ولا مقدار ما جمعناه من حطام الدنيا ، بل سيتذكرون: هل كُنّا رحمةً حين امتلكنا القوة؟ وهل كُنّا حُكماء حين امتلكنا المعرفة؟ وهل كُنّا بشرًا كما أراد الله لنا أن نكون؟!

الزمن لا يملك قلبًا ؛ لكنه يمنح الإنسان فرصةً كل صباح ، فإما أن يضيف إلى الحياة معنى، أو يضيف إلى الأيام رقمًا جديدًا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ جَرَيَانُ الأيَّامِ؛ في شَرَيَانِ الحَيَاةِ

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات