وفاء يُكافأ بالإقصاء



في عالمٍ يُفترض أن تُقاس فيه القيم بميزان الإنصاف، تبرز مواقف تكشف خللًا عميقًا في فهم معنى التقدير. هناك من يعطي بصدق، يعمل بصمت، ويساهم بإخلاص في نجاح الآخرين، لا طلبًا لثمنٍ أو مقابل، بل إيمانًا بأن العطاء قيمة في ذاته… لكن الصدمة تبدأ حين يتحول هذا العطاء إلى أمرٍ مُسلّم به، وكأنه واجب لا يُشكر عليه، بل يُقابل بالتجاهل، وأحيانًا بالإقصاء.

ليس الألم في غياب المقابل المادي، فبعض الأعمال بطبيعتها قد تكون ذات طابع تجاري أو “بزنس”، لكن حتى في هذا السياق، تبقى الأخلاقيات المهنية حاضرة، ويبقى التقدير المعنوي جزءًا لا يتجزأ من العلاقة الإنسانية والمهنية. كلمة شكر، إشارة تقدير، أو حتى اعتراف بسيط بالجهد… كلها لا تُكلّف شيئًا، لكنها تعني الكثير.

المؤلم أكثر أن يُقصى من كان سببًا في الدعم، وأن يُمحى أثره وكأنه لم يكن، بينما تُنسب الجهود لغير أصحابها أو تُدار الأمور بعقلية الاستفادة المؤقتة. هنا لا نتحدث عن خطأ عابر، بل عن نمط يُضعف الثقة، ويقتل روح المبادرة، ويجعل أصحاب العطاء يعيدون النظر في كل ما يقدمونه مستقبلًا.

التجاهل ليس حيادًا كما يظنه البعض، بل موقف يحمل في طياته رسالة واضحة: “ما قدمته لا يعني شيئًا”. وهذه الرسالة، إن تكررت، تصنع فجوة في العلاقات، وتؤسس لبيئة لا تُقدّر الجهود، بل تستهلكها ثم تتجاوزها.

الإنصاف ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لاستمرار أي منظومة ناجحة. فالأشخاص لا ينسون من أنصفهم، كما أنهم لا ينسون من تجاهلهم. وبين هذا وذاك، تتشكل السمعة الحقيقية، لا بالكلام، بل بالمواقف.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل المشكلة في قلة التقدير… أم في أننا نُعطي لمن لا يعرف قيمة العطاء؟