منصة إحكام.. حينما يطول الانتظار
عبدالمحسن محمد الحارثي
من المبادرات الوطنية المهمة التي أطلقتها الدولة – أيدها الله – ما يتعلق بمعالجة أوضاع العقارات التي لا تحمل مستمسكات شرعية مكتملة، وذلك عبر منصة إحكام التي جاءت لتنظيم هذا الملف الشائك، وحصر الأراضي والمنازل، وتمكين المستفيدين ممن تنطبق عليهم الاشتراطات النظامية من استكمال إجراءات التملك وإصدار الصكوك الشرعية.
لقد حملت هذه المنصة في جوهرها بُعدًا إنسانيًا وتنظيميًا عميقًا؛ فهي لا تتعامل مع أرقام جامدة، وإنما مع قصص أسرٍ وبيوتٍ وأحلام مواطنين ظلوا سنوات طويلة يعيشون على أرضٍ هي مأواهم الوحيد، لكنهم يفتقدون إلى الوثيقة التي تحفظ حقهم وتمنحهم الاستقرار والطمأنينة.
ومع ما بُذل من جهود كبيرة في استقبال الطلبات، ورفع المسوحات، واستيفاء المتطلبات، وإحالة الملفات إلى الجهات المختصة، إلا أن آلاف المواطنين ما زالوا يترقبون اكتمال هذا المشروع الوطني، وقد دخلت المنصة عامها الثامن دون أن يرى كثير من أصحاب الطلبات النتيجة التي ينتظرونها، رغم أن معظم الإجراءات قد أُنجزت، ولم يبقَ بحسب ما يتداوله أصحاب الشأن سوى صدور التوجيه الكريم الذي يحسم هذا الملف.
وخلف كل طلب حكاية تستحق أن تُروى؛ فهناك أرامل يسعين إلى تثبيت مساكنهن، ومطلقات يخشين ضياع حق الأبناء، وأيتام ينتظرون إثبات ملكيات ورثوها عن آبائهم، وذوو دخل محدود وضعوا مدخرات أعمارهم في منازل متواضعة، يأملون أن تتحول من مجرد واقع قائم إلى حق موثق لا يداخله القلق.
إن تأخير البت في هذه الطلبات لا يعني تأخير إجراء إداري فحسب، بل يعني استمرار حالة من عدم اليقين لدى فئات من أبناء الوطن، وهم الذين وثقوا بعدل الدولة وحرص قيادتها على إنصاف الجميع. وقد عُرفت المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها، بأن العدالة فيها ليست شعارًا، وإنما نهج راسخ يستمد قوته من الشريعة الإسلامية التي شددت على صيانة الحقوق وعدم المماطلة فيها.
ومن هذا المنطلق ؛ فإن المناشدة بتعجيل إنهاء هذا الملف ليست اعتراضًا على التنظيم أو تجاوزًا للاشتراطات، بل هي رجاءٌ بأن تُعطى الأولوية للحالات الإنسانية وظروفها الخاصة، وأن يُبت في حقوق الناس بعد سنوات طويلة من الانتظار، خصوصًا أن الاستقرار السكني أحد أهم مقومات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
إن أبناء هذا الوطن يدركون أن القرارات الكبرى تحتاج إلى دراسة وتأنٍ، لكنهم في الوقت ذاته يتطلعون إلى اليوم الذي تتحول فيه طلباتهم المعلقة إلى صكوك تحفظ حقوقهم، وتمنحهم شعورًا بالأمان، وتفتح أمامهم أبوابًا جديدة للاستفادة من ممتلكاتهم بصورة نظامية.
ويبقى الأمل كبيرًا في قيادتنا الرشيدة – حفظها الله – التي جعلت خدمة المواطن ورعاية مصالحه في مقدمة أولوياتها، بأن يُعجَّل بالنظر في هذا الملف، وأن تُرسم البسمة على وجوه من أثقلهم الانتظار، فحقوق العباد لا يخفى شأنها، وكل يوم يمر يحمل معه أمنيات أرملة، ودعوات يتيم، وتطلعات أسرة تتمنى أن ترى بيتها موثقًا بصك يطمئن القلوب ويصون الحقوق.
فالعدل الناجز رحمة، وإنهاء معاناة المنتظرين صورة مشرقة من صور العناية بالمواطن، وهو ما عهدناه دائمًا من هذه البلاد المباركة وقيادتها الحكيمة.

