حين يتشقق القرار وتتكاثر الأصوات: كيف تبدأ الدول في مواجهة نفسها؟



عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست الأزمات الكبرى ما تراه العيون على خرائط الاشتباك، بل ما لا يُرى في خرائط القرار.

فالدولة قد تصمد على حدودها، لكنها تضعف في داخلها حين يصبح القرار ذاته محل نزاع.

وهنا تتجلّى اللحظة الفارقة في المشهد الإيراني: ليس سؤال القوة، بل سؤال وحدة الإرادة.

إن الضربات والضغوط — أيًّا كان مصدرها — لا تختبر صلابة الجيوش بقدر ما تختبر تماسك القرار. يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]

وهذه ليست موعظة روحية فحسب، بل قانونٌ سياسيّ خالد: فالتنازع الداخلي لا يُضعف القوة فحسب، بل يبدّد أثرها.

في ظاهر المشهد، تبدو الازدواجية وكأنها حنكة سياسية: خطابٌ يميل إلى التهدئة، وسلوكٌ يوحي بالتصعيد. لكن في العمق، حين تتكرر هذه الازدواجية، فإنها تتحول من تكتيك إلى تعبير عن انقسام. وكما قيل:

“إذا تعددت الألسن في ساعة القرار، ضاع المعنى وإن وضحت الكلمات.”

إن الصراع الحقيقي ليس بين ولاءات متباينة، بل بين رؤيتين متصادمتين:
رؤية ترى في التفاوض طوق نجاة،
وأخرى ترى في التصلّب حفظًا للهيبة.

وهنا تستدعي الذاكرة قول ابن خلدون:

“الملك إذا دخله الترف، دخله العجز.”
ويمكن إسقاط المعنى على واقعٍ آخر: إذا دخل التردد إلى القرار، دخله الوهن؛ لأن الحسم هو روح الدولة، والتردد هو أول مظاهر شيخوختها.

الأخطر من ازدواجية التصريح، هو ازدواجية الفعل. حين تتباين الإشارات الصادرة من مراكز القوة، تبدأ الثقة في التآكل:
• الحليف لا يدري أي خطاب يُصدّق،
• والخصم لا يخشى ردًا لا يعلم مصدره،
• والداخل يتساءل: من يملك القرار؟

وفي مثل هذه البيئات، لا تعلن الانقسامات نفسها صراحة، بل تتسلل على هيئة تباينٍ في السلوك، ثم تتسع لتصبح اختلافًا في الاتجاه. وقد عبّر عمر بن الخطاب عن هذا المعنى بعمقٍ حين قال:

“لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها.”
لكن بين الشورى والانقسام خيطٌ دقيق؛ فإذا تحولت الآراء إلى مواقف متضادة في لحظة الحسم، لم تعد قوة بل أصبحت عبئًا.

أما الحديث عن الحرب الأهلية أو التفكك، فليس هو الخطر الأقرب، لأن الدول لا تنهار فجأة، بل تذبل تدريجيًا. وكما يقول مالك بن نبي:

“القابلية للاستعمار تبدأ من الداخل.”
ويمكن القول هنا: القابلية للاهتزاز تبدأ من تصدّع القرار، لا من ضغط الخارج وحده.

إن التعدد القومي أو الاجتماعي لا يصنع الخطر بذاته، بل يصبح خطرًا حين يفقد المركز قدرته على الجمع بين أطرافه. فالدولة القوية ليست التي تخلو من التباين، بل التي تُحسن إدارته دون أن يتحول إلى تنازع.

وهنا تتجلّى المفارقة الحادة:
الضغط الخارجي قد يوحّد الصف مؤقتًا، لكنه — إن طال — يكشف الفوارق الكامنة، ويضخمها، حتى يصبح القرار نفسه ساحة صراع. وعندها، لا تكون الأزمة في ما تواجهه الدولة، بل في كيف تواجهه.

“الدول لا تسقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن أن تقرر كيف تقاتل أو كيف تتفاوض.”

الخلاصة:
ليست أخطر مراحل الدولة حين تُحاصر، بل حين تتردد. لأن الحصار يمكن كسره، أما التردد فيكسر صاحبه من الداخل. وإذا استمرت ازدواجية القرار، فإنها لا تُسقط الدولة دفعةً واحدة، لكنها تسحب منها أخطر ما تملك: وضوح الاتجاه.

وحين يضيع الاتجاه… لا تعود القوة كافية، ولا الشعارات مجدية، بل يصبح كل انتصارٍ مؤقتًا، وكل صمودٍ مؤجلاً… حتى تأتي اللحظة التي ينكشف فيها كل ما كان يُدار بالصمت.