عائشة الحكمي .. سيرةُ علمٍ ومحبةٍ لا تغيب
ثريا الشهري :
ثمّة أشخاص لا يمرون حياتنا عابرين، بل يتركون فيها أثرًا عميقًا يشبه الغرس الطيب في الأرض الكريمة؛ يمتد جذره في القلب، ويظل يثمر ذكرًا جميلًا مهما تعاقبت السنوات. ومن هؤلاء كانت الدكتورة عائشة الحكمي، أستاذة الأدب والنقد بجامعة تبوك، التي لم تكن مجرد أكاديمية متميزة أو أستاذة ناجحة، بل كانت إنسانة استثنائية اجتمع فيها العلم والخلق والإنسانية.
خبر رحيل الدكتورة عائشة لم يكن خبرًا عابرًا يُتداول بين الناس ثم يمضي، بل كان غيمة حزن عبرت قلوب كل من عرفها، وكأن الجميع فقد في اللحظة نفسها شخصًا يخصه وحده. وذلك وحده يكفي ليخبرنا أي إنسانة كانت، وأي أثر عظيم تركته في النفوس.
كانت أستاذة للأدب والنقد، لكن هذا الوصف، على قدره، يبدو ضيقًا أمام اتساع حضورها. كانت أكبر من أن تختصرها وظيفة، وأجمل من أن يحتويها لقب. كانت من أولئك البشر الذين يمنحون العلم روحًا، ويمنحون المعرفة قلبًا، ويجعلون من التعليم رسالة حب قبل أن يكون رسالة علم.
درستني أربعة أعوام في مرحلة البكالوريوس، لكن الحقيقة أنني لم أتعلم منها الأدب وحده. تعلمت منها كيف يكون الإنسان رفيقًا بالكلمة، نبيلًا في الاختلاف، كريمًا في العطاء، جميلًا في حضوره.
كانت تشرح النصوص كما لو أنها تكشف لنا أسرار الحياة، وتفتح أبواب المعاني كما تفتح الأم نافذة الصباح لأطفالها.
ثم شاء الله أن تمتد العلاقة خارج أسوار الجامعة، وأن تتحول الأستاذة إلى صديقة، وهناك فقط أدركت أن ما كنا نراه في القاعة لم يكن إلا جزءًا من جمال روحها.
عرفتها عن قرب، فوجدت قلبًا أكبر من الوصف، وجدت إنسانة لا تتكلف الخير لأن الخير أصيل في داخلها، ولا تتصنع اللطف لأنه جزء من طبيعتها. كانت تملك قدرة نادرة على أن تمنح من حولها شعورًا بأنهم مهمون، وأن أحزانهم تستحق الإصغاء، وأن أفراحهم تستحق المشاركة.
كانت إذا حضرت عم المرح، وإذا تحدثت اطمأن الجميع، وإذا ابتسمت شعرت أن الدنيا ما زالت بخير.
ولعل أكثر ما يدهشني اليوم، وأنا أتأمل سيل المحبة الذي تدفق بعد رحيلها، أنني لم أجد أحدًا إلا ويذكرها بخير. لم أجد قلبًا مرّت به إلا وتركت فيه أثرًا جميلًا، ولم أسمع إلا دعاءً صادقًا ودمعةً صامتة وذكرًا حسنًا.
وهنا يتوقف الإنسان طويلًا أمام ذلك السر الخفي.
فمحبة الناس ليست أمرًا يُنتزع بالقوة، ولا تُشترى بالمكانة، ولا تصنعها الشهادات مهما علت. هناك خبيئة لا يعلمها إلا الله، سر بين العبد وربه، عمل صالح اختبأ في الظل، ودعوة صادقة خرجت من قلب مخلص، ورحمة بعباد الله لم تكن تنتظر جزاءً ولا شكورًا.
وأحسب أن للدكتورة عائشة خبيئة عظيمة عند الله أو نية خالصة، انعكس نورها على حياتها كلها، حتى ألقى الله لها هذا القبول العجيب في الأرض. فما رأيت إنسانة اجتمع الناس على محبتها كما اجتمعوا عليها، ولا رأيت ذكرًا طيبًا يخرج بهذه العفوية والصدق كما خرج عند الحديث عنها.
كانت تشبه الأرض الخصبة؛ كل من اقترب منها عاد بشيء من الخير. وتشبه المطر؛ لا يختار موضعًا دون آخر، بل يمنح الجميع نصيبًا من عطائه. وتشبه الأشجار العتيقة التي يستظل بها العابرون ولا يعرفون كم حملت من حر الصيف وعواصف الشتاء لتبقى واقفة تمنحهم الظل والأمان.
واليوم، بعد رحيلها، أشعر أن الأماكن التي عرفتها فقدت شيئًا من دفئها، وأن الوجوه التي كانت تشرق بوجودها تنظر إلى غيابها بدهشة لا تزال عاجزة عن التصديق.
لكن العزاء كل العزاء أن الأرواح النبيلة لا تغيب حقًا.
تبقى في الدعوات التي تُرفع لها في جوف الليل.
تبقى في القلوب التي أحبتها.
تبقى في الطالبات اللواتي شكّلت وعيهن، وفي النفوس التي رممتها بكلمة، وفي الأحلام التي ساندتها حتى كبرت.
تبقى في كل خير زرعته ولم تنتظر أن يُذكر.
رحلت عائشة الحكمي، لكن سيرتها ما زالت تمشي بين الناس.
رحلت، وبقي علمها.
ورحلت، وبقي أدبها.
ورحلت، وبقيت محبتها شاهدة لها في كل مجلس يُذكر فيه اسمها.
وما أعظم أن يغادر الإنسان الدنيا، ثم يكتشف الناس بعد رحيله أن قلوبهم جميعًا كانت تحمل له المكانة نفسها، والمحبة نفسها، والامتنان نفسه.
رحمكِ الله يا دكتورة عائشة رحمةً الأبرار الأطهار. رحمكِ الله بعدد القلوب التي أحبتك، وبعدد الدموع التي فاضت حزنًا عليك، وبعدد الدعوات التي ارتفعت لك في العلن والخفاء.
ونسأل الله أن يجعل ذلك القبول الذي أحاطكِ به في الدنيا بشارة قبولٍ أعظم عنده، وأن يجمعكِ في مستقر رحمته بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أما نحن، فسنظل كلما مرّ اسمكِ في ذاكرتنا، شعرنا أن بعض الناس لا يموتون حقًا؛ لأن الله يكتب لهم حياة أخرى في قلوب الذين أحبوهم.

