الفقد… امتحان العمر الذي لا يستثني أحدًا
هناك لحظات في الحياة لا يمكن للكلمات أن تُخفف وطأتها، ولا للسنين أن تمحو أثرها بالكامل. ومن أصعب تلك اللحظات فقدان إنسان عزيز؛ أمٍ كانت الحضن الدافئ، أو أبٍ كان السند، أو ابنٍ أو ابنةٍ كانوا قطعةً من القلب، أو قريبٍ جمعنا به الدم والذكريات، أو صديقٍ كان حاضرًا في تفاصيل الأيام.
الفقد حقيقة من حقائق الحياة التي كتبها الله على جميع خلقه، قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
ومهما اختلفت أعمارنا وتجاربنا، يبقى ألم الفراق من أشد الابتلاءات التي قد يمر بها الإنسان.
ليس الضعف أن تدمع العين، ولا العيب أن يحزن القلب، فالحزن شعور إنساني فطري. لكن القوة الحقيقية تكمن في الصبر، والرضا بقضاء الله، والإيمان بأن اللقاء في الدنيا قد ينتهي، أما الدعاء والعمل الصالح والذكر الحسن فهي روابط لا تنقطع بإذن الله.
إن من أعظم صور الوفاء لمن فقدناهم أن نستمر في برّهم بعد رحيلهم؛ بالدعاء، والصدقة عنهم، وصلة أرحامهم، والمحافظة على سيرتهم الطيبة بين الناس. فالميت تنقطع أعماله إلا ما جعله الله سببًا لاستمرار الأجر، وما يقدمه له الأحياء من دعاءٍ صادق وأعمالٍ نافعة.
وفي المقابل، فإن من واجب المجتمع أن يساند أهل المصاب بالكلمة الطيبة، والدعاء، والوقوف معهم، واحترام خصوصيتهم، وعدم إثقالهم بالأسئلة أو إعادة تفاصيل الفاجعة، فالكلمة الحسنة صدقة، والمواساة الصادقة قد تكون سببًا في تخفيف شيء من ألمهم.
كما ينبغي أن ندرك أن لكل إنسان طريقته في التعبير عن حزنه؛ فمنهم من يتحدث، ومنهم من يختار الصمت، ومنهم من يحتاج إلى وقتٍ أطول حتى يستعيد توازنه. لذلك فإن الرحمة، وحسن الظن، والاحتواء، من أسمى صور الإنسانية.
ولعل الفقد يحمل رسالة خفية لكل واحدٍ منا؛ أن نبادر إلى بر والدينا، وأن نصل أرحامنا، وأن نعتذر لمن أخطأنا في حقه، وأن نعبر عن محبتنا لمن نحب قبل أن يحول الموت بيننا وبينهم، فالكلمة الطيبة لا تؤجل، واللقاءات ليست مضمونة، والأعمار بيد الله وحده.
وفي خضم انشغال الحياة، يبقى أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو أثره الطيب، وأخلاقه الحسنة، وذكره الجميل في قلوب الناس. فاحرص أن تكون ممن إذا غاب افتقده الناس بالدعاء، وإذا ذُكر ترحموا عليه، وإذا استعادوا سيرته ابتسموا لما كان يقدمه من خير.
رحم الله من فقدنا، وشفى صدور من أثقلهم الفراق، وألهم كل مبتلى الصبر والسكينة، وجعل لقاء الأحبة في جنات النعيم هو الموعد الذي لا فراق بعده.

