فهد بن سلطان… سيرةٌ كتبتها القلوب وحفظها الزمن



ليست المدن أوطانًا بما يعلو فيها من عمران، ولا بما تُشيَّد على أرضها من صروح، وإنما بما يغرسه الرجال في أرواح أهلها من سكينة، وما يخلّفونه في القلوب من أثرٍ تعجز السنون عن محوه. فالبناء قد يشيخ، وتتعاقب عليه الأزمنة، أما المحبة الصادقة فلا يطالها الزمن، لأنها تُبنى في القلوب قبل أن تُشيَّد على الأرض.

وكان لتبوك من هذا الخلود أوفر الحظ؛ إذ اقترن اسمها برجلٍ لم يرَ القيادة رفعةً فوق الناس، بل عهدًا بينهم وبينه، وأمانةً يحملها بقلبٍ اتسع للجميع. فكان من الناس قريبًا، ولهم حاضرًا، وبهم معنيًّا، حتى غدت الصلة بينه وبين أهل تبوك ميثاقًا من الوفاء، لا تنسجه المراسيم، ولا تصنعه المناصب، وإنما تبنيه الأعوام الصادقة، وتُوثقه المواقف التي لا يعتريها النسيان.

ذلك هو صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان آل سعود.

ثمة رجالٌ لا تُعرّفهم المناصب، بل تكتسب المناصب من أسمائهم هيبتها. فإذا ذُكروا، سبق ذكرهم كل لقب، لأن سيرتهم أوسع من أن تُختزل في منصب، وأبقى من أن تُحصر في منجز. إنهم أولئك الذين يصبحون جزءًا من ذاكرة المكان، وملامح الزمان، ووجدان الإنسان.

مضت الأعوام، وتعاقبت الأجيال، وتغيّرت وجوهٌ كثيرة، غير أن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا في قلوب أهل تبوك؛ محبةٌ رسّختها الأيام، وعلاقةٌ وطّدتها المواقف، حتى غدا يعرف البيوت قبل أبوابها، ويحفظ الرجال بمواقفهم قبل أسمائهم، ويوقّر الكبير إجلالًا لما خطّه العمر على جبينه من وقار، ويأخذ بيد الصغير بعين الأب التي ترى في الأجيال القادمة مستقبل الوطن، وفي نجاحهم امتدادًا لحلمه.

ولهذا، لم يكن في نظر أهل تبوك أميرًا يدير شؤون منطقة فحسب، بل أبًا وسندًا إذا حضر حضر معه الاطمئنان، وإذا ذُكر اسمه سبقته المحبة، وأتبعته الدعوات؛ فالقلوب لا تمنح وفاءها إلا لمن أحسن إليها، ولا تحفظ الجميل إلا لمن عاش جميل الأثر.

ومن أصدق المشاهد التي كشفت معدن هذا الإنسان، يوم وقف بين أبنائه الخريجين، فإذا الدموع تسبق الكلمات. لم تكن دموع مسؤولٍ في مناسبةٍ رسمية، بل دموع أبٍ رأى ثمرة الغرس وقد أينعت، فأفصح الدمع عمّا ضاقت به العبارة. وما أجمل دموع الفرح حين تنحدر من عين قائدٍ يرى في نجاح أبناء وطنه أعظم إنجاز، وفي ابتساماتهم أبهى الأوسمة.

ولم يكن ذلك المشهد عابرًا في ذاكرة أهل تبوك؛ لأنهم لم يروا فيه أميرًا فحسب، بل رأوا قلبًا اتسع لأبنائه جميعًا، فبادلوه محبةً خالصة، ودعواتٍ لا تنقطع في حضوره كما في غيابه.

ثم جاء الخبر الذي هزّ القلوب، وأقلق كل محب. ولم يكن القلق على صاحب منصب، بل على رجلٍ طالما كان موضع الطمأنينة في نفوس الناس، وسندًا اعتادت القلوب أن تستظل بظله.

فارتفعت الأكف إلى السماء، واجتمعت الدعوات من البيوت، ومن المساجد، ومن أفئدةٍ لم يجمعها مكان، لكنها جمعها حب رجلٍ أخلص لوطنه وأهله.

حتى أذن الله بالبشارة، فجاء خبر شفائه كالغيث بعد طول انتظار، فاستبشرت الوجوه، واطمأنت القلوب، وتعالت ألسنة الحمد قبل التهنئة. ولم يكن الفرح يومئذٍ بسلامة أميرٍ فحسب، بل بسلامة إنسانٍ أحبّه الناس، حتى غدا حضوره جزءًا من ذاكرتهم، وغيابه وجعًا لا تخطئه القلوب.

وهكذا يخلّد الله بعض الرجال؛ لا لأن التاريخ دوّن أسماءهم، بل لأنه كتب لهم منزلةً في محبة عباده. فإذا اجتمع للإنسان دعاء الصادقين، ووفاء الناس، وأثر السنين، فقد بلغ من الخلود منزلةً لا تمنحها المناصب، ولا تصنعها الألقاب.

سلامٌ على قلبٍ أحبَّ تبوك، فأحبَّته وسلامٌ على رجلٍ لم يسكن إمارةً فحسب، بل سكن وجدان أهلها.

حفظ الله صاحب السمو الملكي لأمير فهد بن سلطان، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية ، وجعل ما قدّمه لتبوك وأهلها من عطاءٍ واحتواءٍ وخيرٍ في موازين حسناته.

وسيبقى، ما بقي في تبوك قلبٌ نابضٌ بالوفاء، الأب الذي اتسعت أبوّته للجميع، والسند الذي استندت إليه القلوب، والاسم الذي إذا ذُكر، ذُكرت معه المحبة، والوفاء، وتبوك بكل ما فيها من أصالةٍ وإنسان .