البشرُ ليسوا تطبيقاتٍ تُحدَّثُ على إيقاعِ المزاج..
منور بن خليفة الطويلعي
في زمنٍ صار فيه الإنسان يحمل في هاتفه الذكي عشرات التطبيقات التي لا تكفّ عن التحديث كلما صدرت لها نسخةٌ جديدة، ويتعامل يوميًا مع خدماتٍ ومطاعم لا تفتح أبوابها إلا في أوقاتٍ معلومة، بدا وكأن بعض الناس قد استعار هذا المنطق ليطبّقه على علاقاته الإنسانية؛ فأصبح يتوقع من الآخرين أن يعيدوا تشكيل أنفسهم كلما تبدّل مزاجه، وأن يغيّروا أساليبهم كلما تغيّرت حالته النفسية، وكأن البشر تطبيقاتٌ تُحدَّث، أو خدماتٌ لا تعمل إلا حين يقرر هو تشغيلها.
فإذا لم يكن مزاجه مهيأً للتواصل، أغلق أبواب القبول، ثم إذا انشرح صدره توقّع من الجميع أن يكونوا حاضرين، وأن يستأنفوا العلاقة من حيث أراد هو، لا من حيث توقفت بهم الحياة. وكأن الناس مطعمٌ لا يبدأ استقبال زبائنه إلا بعد الظهيرة؛ فإذا لم يحن الوقت بعد، فعلى الجميع أن ينتظروا حتى يقرر فتح أبواب التواصل.
غير أن البشر ليسوا كذلك؛ فهم لا يعلّقون حياتهم حتى يتهيأ مزاج أحد، ولا يُطلب منهم أن يوقفوا عفويتهم، أو يؤجلوا مزاحهم، أو يعيدوا صياغة طبائعهم كلما تبدلت الحالة النفسية لشخصٍ واحد. فالعلاقات الإنسانية لا تُدار بإيقاع المزاج، وإنما تقوم على الاتزان، والتفاهم، وحسن الظن، واحترام اختلاف الطبائع والظروف.
في العلاقات الإنسانية، لا تبدأ الخسارات الكبرى دائمًا من خصومةٍ صريحة أو قطيعةٍ مفاجئة، بل كثيرًا ما تنشأ حين يُراد للعلاقة أن تُدار وفق تقلّبات فردٍ واحد، وحين يُطالَب الآخرون، صراحةً أو ضمنًا، بأن يعيدوا تشكيل أنفسهم كلما تبدّل مزاج صاحب العلاقة.
عندها لا يعود الخلل في موقفٍ عابر أو كلمةٍ قيلت في غير موضعها، بل في ذهنيةٍ ترى الناس مطالبين على الدوام بالتكيّف، والتعديل، ومجاراة ما لا يستقر. وهكذا لا ينطفئ الود فجأة، بل يُستنزف شيئًا فشيئًا حتى يفقد قدرته على البقاء.
المشكلة ليست في الاختلاف، فهو من طبائع البشر، ولا في العتب حين يأتي في موضعه وبقدره، بل في اللحظة التي يتحول فيها المزاج إلى معيارٍ تُقاس عليه المسافات، وتصبح التوقعات الشخصية مقياسًا لصدق العلاقات.
عندها تُحمَّل الهفوات أكثر مما تحتمل، ويُفسَّر الفتور العابر على أنه انتقاصٌ من المكانة، ويُقرأ انشغال الناس بوصفه تبدلًا في المودة. ثم تبدأ مراجعة العلاقة لا رغبةً في إصلاحها، بل محاولةً لإلزامها بصورةٍ مثالية لا وجود لها إلا في ذهن صاحبها.
غير أن الخلل لا يقف عند هذا الحد؛ فحين يصبح المزاج هو المعيار الذي تُدار به العلاقات، تنشأ قناعةٌ مضلِّلة مفادها أن على الآخرين أن يعيدوا ضبط سلوكهم كلما تبدّلت الحالة النفسية لصاحب العلاقة؛ فيخففوا حديثهم، ويغيّروا طبائعهم، ويضبطوا حضورهم بما يوافق مزاجه.
والحقيقة أن هذا لا يعكس رهافةً في الشعور بقدر ما يكشف خللًا في ميزان الإنصاف؛ فمن ينتظر سعةً لا يمنحها، وعذرًا لا يقدمه، وتفهّمًا لا يبادله، لا يحفظ الود كما يظن، بل يستهلكه ببطء وهو يعتقد أنه يحسن رعايته.
أما العلاقات الناضجة فلا تُبنى على الارتياب، ولا تستقيم بكثرة الاختبار، وإنما تقوم على حسن الظن، واتساع الصدر، وإدراك أن البشر يخطئون، وينشغلون، وتثقلهم الحياة، من غير أن يكون ذلك إعلانًا لنهاية المودة.
أما من يحوّل كل هفوة إلى قضية، وكل اختلاف إلى خصومة، وكل غيابٍ عارض إلى مناسبة للمحاسبة، فإنه لا يصون العلاقة، بل يجعل الاقتراب منه عبئًا، والاستمرار معه امتحانًا لا يطول احتماله.
ولهذا، فإن الخسارة الحقيقية لا تبدأ حين يبتعد الناس، بل حين يعجز الإنسان عن رؤية نفسه داخل أسباب هذا الابتعاد.
فكم من شخصٍ يكثر شكواه من تبدّل الرفاق وذبول العلاقات، بينما كان هو، من حيث لا يشعر، أكثر الأطراف إسهامًا في إنهاكها، لا بإساءةٍ فادحة، بل بسلسلةٍ طويلة من التوقعات المرهقة، والحساسية المفرطة، والإصرار على أن يسير الآخرون في فلك مزاجه.
فالبشر ليسوا تطبيقاتٍ إلكترونية تُحدَّث كلما تبدّل المزاج، ولا أدواتٍ تُعاد معايرتها كلما تغيّرت الرغبات، ولا شخصياتٍ تُبرمج وفق توقعات الآخرين.
إنهم بشرٌ لهم طبائعهم، وحدودهم، وأعذارهم، وكرامتهم.
والعلاقات التي تدوم ليست تلك التي ينجح فيها أحد الطرفين في تشكيل الآخر على صورته، بل تلك التي يتسع فيها كلٌ منهما لاختلاف الآخر، ويمنحه من حسن الظن بقدر ما يرجو أن يُمنح. ومن لم يدرك هذه الحقيقة، فلن يخسر الناس لأنهم تغيّروا، بل لأنه لم يتقبّل يومًا أنهم لم يُخلقوا ليعيشوا على إيقاع مزاجه.

