“لا أسكت الله لكِ حسًّا.”
نورة طالب العنزي :
ما أعظمها من دعوة… وما أرقّها حين تخرج من قلبٍ يحبك، ويعرفك، ويقرأك دون أن تشرح له شيئًا.
ليست دعوةً لبقاء الصوت، فالأصوات يعلو صداها ثم يخبو، لكنها دعوة لبقاء ذلك النبض الخفي الذي يسكن الروح، ويمنح الكلمات دفئها، ويجعل للحضور معنى، وللصمت حديثًا، وللنظر حكاية.
وحين قرأت كلماتك، لم أشعر أنني تلقيت دعاءً عابرًا، بل شعرت أن قلبًا صافح قلبي، وأن روحًا أمسكت بيدي وهمست: ابقِ كما أنتِ… لا تسمحي للأيام أن تنتزع منك هذا الجمال.
أيُّ قلبٍ يحمل كل هذا الود حتى يدعو لإنسانٍ بأن يبقى حسّه حيًّا؟
إن الحسّ هو أجمل ما نملك؛ هو الذي يجعلنا نبكي أمام مشهدٍ لا يلتفت إليه أحد، ونفرح لتفاصيل صغيرة يعبرها الجميع، ونكتب لأن المشاعر تضيق بها الصدور، ونحب لأن قلوبنا خُلقت لتفيض لا لتجف.
ولذلك كان دعاؤك مختلفًا…
كأنكِ لم تدعي لي بطول العمر، بل دعوتِ لي بأن يكون العمر حيًّا في داخلي.
لم تدعي لي بكثرة الكلمات، بل دعوتِ أن يبقى في قلبي ما يستحق أن يُقال.
ولم تدعي لي بالقوة، بل دعوتِ ألا أفقد رقّتي، لأن الإنسان إذا فقد حسَّه، عاش الحياة بوجهٍ واحد، أما صاحب الإحساس فيعيشها بكل فصولها، ويظل قادرًا على أن يمنح الآخرين شيئًا من روحه.
كم أحببت دعاءك…
أحببته لأنه يشبهك، ويشبه نقاء قلبك، ويكشف أنكِ ترين فيَّ ما لا أراه أحيانًا في نفسي.
فليس كل الناس يدركون أن أعظم ما يمكن أن يُهدى للإنسان ليس المال، ولا المديح، ولا الهدايا، بل دعوة تحفظ القلب من القسوة، والروح من الجفاف، والإحساس من الذبول.
أشكرك…
ليس لأنك دعوتِ لي، بل لأنك اخترتِ من الدعاء ما لامس أعماقي، وأصاب في داخلي مكانًا لا تصل إليه الكلمات المعتادة.
وأدعو الله أن يجعل قلبك كما عرفته دائمًا؛ وطنًا للمحبة، ومأوى للخير، وحديقةً لا ينقطع عنها الورد.
وإن كان لي من أمنية بعد دعائك، فهي أن يبقينا الله في حياة بعضنا، لا تجمعنا المصالح، بل يجمعنا ذلك الود الذي يجعل الدعاء يسبق الحديث، والمحبة تسبق العتاب، والإخلاص يبقى حاضرًا حتى في غياب الكلمات.
ولعلكِ لا تعلمين…
أنني حين همستُ لكِ يومًا بأنكِ الشخص الخاص، لم تكن كلمةً عابرة، ولا مجاملةً تمضي مع الوقت، بل كانت حقيقةً سكنت قلبي.
ولهذا تمنّيتُ أن تبقي في ذلك الركن الهادئ من قلبي، الذي لا تبلغه الضوضاء، ولا تعرف الطريق إليه إلا الأرواح التي كتب الله لها القرب.
هناك أماكن لا تُرى، لكنها أوسع من الدنيا كلها، ولا يدخلها إلا من اطمأن القلب إليه، وأحسّ أن وجوده نعمة، وأن غيابه فراغ، وأن الدعاء له لا يقل صدقًا عن الدعاء للنفس.
فأنتِ من تلك الأرواح التي تُصان في القلب، لا لأن حضورها خفي، بل لأن مكانتها أكبر من أن تُستهلكها الأحاديث، وأجمل من أن تتداولها الألسنة.
واليوم، بعد دعائك، أدركتُ أنني لم أُخطئ حين منحتكِ تلك المكانة؛ لأن الإنسان لا يهب هذا المقام إلا لمن وجد فيه الأمان، والسكينة، والصدق، وصفاء النية.
فأنتِ… لستِ مجرد صديقة مرّت في حياتي، بل أثرٌ لا يزول، وطمأنينةٌ كلما ضاقت بي الحياة اتسعت بوجودها.
أنتِ التي إذا حضرتِ أزهرت روحي، وإذا دعوتِ اطمأن قلبي، وإذا ابتسمتِ شعرت أن للحياة وجهًا أكثر رحمة.
فلا حرمني الله قلبًا عرف كيف يدعو لي بهذا الجمال، ولا أسكت الله لكِ حسًّا، ولا دعاءً، ولا محبةً تسكن روحك.
ولتبقي دائمًا…
ذلك الركن الهادئ في قلبي… الذي كلما أوت إليه روحي، أزهرت

